إزالة المشاهد القبورية بين ثوابت العقيدة ومصلحة الشريعة

28 اكتوبر 2017 - 18:47

الإعلامي مصطفى الكبير يحاور ضيفه الدكتور عبد الفتاح الكاسح

28 اكتوبر 2017 - 18:47

مشاركة

كلمة سواء يناقش مسألة إزالة المشاهد القبورية  

بين ثوابت العقيدة ومصلحة الشريعة 

يقول الشاطبي رحمه الله في موافقاته

"وقد جعل الشارع المصالح يكمل بعضها بعضا، ويخدم بعضها بعضا، فلا ينبغي أن تستعمل في تعطيل بعضها البعض، بل هي موضوعة لتقوي بعضها، ويجلب بعضها البعض، ويحمي بعضها البعض"

عند كلام الشاطبي هذا تنتبه لجمال ذاك التشريع الرباني الذي سلم من التناقض والتضاد في جميع أوامره، غير أنك وعند ملامسة واقع تطبيقات المسلمين لشريعتهم  يصدمك تضاد أفعالهم، ذاك أنهم وبحجة حماية بعض المقاصد ينتهكون مقاصد أخرى.

ولعل ما يجري عند إقدام البعض على إزالة مشاهد قبورية بحجة حماية جناب التوحيد، وتصادمهم حتى الاقتتال أحيانا مع من يقومون عليها، يفتح باب السؤال عن كيفية حماية جناب التوحيد وهو أعظم المقاصد دون هتك الأنفس الموحدة.

إزالة المشاهد القبورية بين ثوابت العقيدة ومصلحة الشريعة

كان عنوان حلقة كلمة سواء ليوم الجمعة 27 من أكتوبر

واستضاف البرنامج لهذا الموضوع عضو لجنة الفتوى بدار الإفتاء الشيخ الدكتور عبد الفتاح الكاسح  

وتناولت الحلقة الموضوع على ثلاثة محاور :

المحور الأول: العقيدة والموقف من المشاهد القبورية

وتبينت فيه موقف الإسلام من هذه المشاهد والدلائل المستقاة من هذا الموقف، حيث بيّن فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح الكاسح أن الله، جل في علاه، قد بعث الرسل والأنبياء لتحقيق أعظم مأمور وهو توحيده، وقد أوجبه على المسلم في كل حياته وألزمه بإظهاره في كل تصرفاته، وقد حمى الإسلام هذا التوحيد وحرص على تنقيته من الشوائب التي قد تلحق به من تصرفات البعض، كما أن الله تعالى جعل من ركن الإخلاص له في توحيده الركن الأهم  فقد قال سبحانه: ألا لله الدين الخالص، ولذا حرم الرياء الذي سمّاه النبي، صلى الله عليه وسلم، شركا لأنه يجعل من الخلق شركاء للخالق في عبادته 

وقد ذمّ سبحانه من جعلوا لله أندادا في عبادته وقد وجهوا أصناف العبادة للبشر والحجر والشجر وللقمر وغيرها من المخلوقات  التي لا تملك ضرا ولا نفعا، ولقد حمى الإسلام العظيم جناب التوحيد وسدّ كل الطرق المؤدية إلى ما يشوبه.

ولما كانت مسألة القبور مسألة حساسة اهتم الإسلام بها وجعل لها أحكاما فالقبر هو مثوى الإنسان بعد موته، لذا كانت به ضوابط مرعية في التعامل معه، وقد جاء ذكر القبور في القرآن على نواح متعددة، منها تبعثرها عند القيامة كما في قوله تعالى وإذا القبور بعثرت وقد ندب الشارع الكريم إلى زيارة القبور بعد المنع من ذلك لما فيها من تذكرة بالآخرة وحض على العمل الطيب.

ولما كانت القبور ذريعة للشرك عند اليهود والنصارى نهى الإسلام عن البناء عليها واتخاذها مساجد كي لا يتكرر المشهد المنهي عنه في الحديث الذي قص فيه على النبي، صلى الله عليه وسلم، حال النصارى في كنائسهم وقد جاء النهي مباشرا عن ذلك كما في الحديث (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقد تكرر النهي عن ذلك قبل موته، صلى الله عليه وسلم، بأيام قليلة كما في حديث جندب بن جنادة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله  .

وبالتالي يخلص الدكتور الكاسح أن الشارع الحكيم قد منع البناء على القبور والتشييد عليها كي لا تتخذ ذريعة للتبرك ثم التعلق بأفرادها حتى الشرك كما حدث في تاريخ الأمم السالفة الذكر .

ولأن الإسلام جاء بحفظ المقاصد الأساسية الخمسة، التي يتصدرها الدين، كان ولابد من هذا المنع لحماية جانب التوحيد ولذا لم يبرز قبره صلى الله عليه وسلم ولا قبر صاحبيه.

المحور الثاني:  الضوابط المرعية في الإزالة

وفي هذا المحور نوقشت سبل الإزالة وطرقها ومتى تكون ومتى تمنع، وقد بيّن الشيخ الدكتور عبد الفتاح الكاسح أن الشريعة ربطت أمر الإزالة بولي الأمر لا من دونه من عوام الناس، وهذا يستفاد من أمره، صلى الله عليه وسلم، لعلي رضي الله عنه، لما ابتعثه بهدم المشاهد القبورية التي تعبد من دون الله في جزيرة العرب، ويستفاد أيضا من ابتعاث علي، رضي الله عنه، لمن دونه بهذا الأمر، فعلم أن مصدر الأمر بالإزالة هو ولي الأمر.

كما نوّه الشيخ إلى كلام العلماء بخصوص حديث إنكار المنكر المشهور، حيث فسر أكثر من واحد من أهل العلم  أن تغيير المنكر باليد هو خصيصة لولاة الأمر لا لمن دونهم خشية وقوع الفتنة بين الناس .

وأما عن الطريقة التي يستعملها البعض في إزالة الأضرحة من تفجير وهدم ونبش، فيراها الشيخ غير شرعية كونها جاءت من غير أمر ولي الأمر، ثم إنها طرق غير شرعية في كيفيتها حيث أن لذلك ضوابط شرعية تحترم الميت وأهله .

وقد عرض البرنامج في جزئه الثاني لبعض التسجيلات المسموعة لمشايخ الدعوة السلفية، العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية الدكتور صالح الفوزان، والمدرس السابق بالجامعة الإسلامية الدكتور عبيد الجابري، وقد أكد المشايخ في تسجيلاتهم أن إزالة المشاهد القبورية، هي من خصائص ولي الأمر وليست لمن دونه من عوام المسلمين.

المحور الثالث:  المصلحة الشرعية بين الإزالة والإبقاء

وفي هذا المحور بيّن عضو لجنة الإفتاء بدار الإفتاء الليبية الدكتور عبد الفتاح الكاسح أن الإزالة تدور مع المصلحة حيث ما كانت، وهذا ما دلّت عليه السيرة والآثار فالصحابة مروا على عدد من المشاهد ولم يدمروها لخشية فوات مصلحة الشارع في الدعوة الى الله، وهنا متى كانت الإزالة مؤذنة بفتنة واقتتال تمنع ويسار إلى الطريق الآخر وهو طريق الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة.

هذا وعرض البرنامج في آخر وقته لإجابة بعض المشاهدين عن رأيهم في إزالة تلك المشاهد دون إذن رسمي من الدولة وكانت الإجابات على النحو التالي:

Ali Kassem 

التغيير باليد يكون للحاكم وليس لعامة الناس.. التغيير بهذه الطريقة لا يجوز.. تغيير المنكر بالمنكر لايجوز.

Hassan Kashlaf

خروج عن طاعة ولي الأمر الشرعي!! كما يسمونه.

زهير محمد

همجية مقيتة وبربرية، كما قال سماحة المفتي نزيل هذه الأعمال بالنصح والإرشاد والكلمة الطيبة، وقد سبّبوا في نفور العديد من الناس من الدين.

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017