في كلمة سواء الحركات الإصلاحية الماهية والأثر

21 نوفمبر 2017 - 21:14

الإعلامي مصطفى الكبير مع ضيف البرنامج الدكتور نزار كريكش

21 نوفمبر 2017 - 21:14

مشاركة

 

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

تلك كلمات دونها القرآن الكريم على لسان نبي الله شعيبا، وهو يخاطب قومه ناشدا الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وهي رسالة كل المصلحين والذين ضاقت بهم دنيا أممهم، فأرادوا أن يغيروا واقعا مترديا، وأن يحركوا كل جامد ومتصلب يقف عثرة في طريق الإصلاح، وعلى هذا تفرق القوم وضربوا في كل واد ينشدون الإصلاح.

ولعل ما عاشته أمة الإسلام في القرنين الماضيين هو انعكاس لما قدمنـاه من البحث الجريء عن الإصلاح والذي تنوعت سبله واختلفت معاييره، مع اتحاد واضح في مصاعبه ومشاقه. 

ومع مرور هذه السنوات التي واكبت انفجار الثورات كان ولا بد من الوقوف على ذلكم التاريخ  ومدى صلته بواقع الأمة الآني لاسيما بعد ثورات الربيع وارتدادها.

الحركات الإصلاحية الماهية والأثر، كان عنوان  حلقة برنامج  كلمة سواء ليوم الجمعة 17 من نوفمبر،  وقد استضاف البرنامج في هذه الحلقة الباحث في فلسفة التاريخ الدكتور نزار كريكش وجرى تناول الموضوع على النحو التالي 

المحور الأول، التعريف بالحركات الإصلاحية

نظرة على العمل الإصلاحي 

يبدأ الضيف حديثه في هذه الحلقة معلقا على التقرير المصور الذي عرض  مجموعة من الحركات الإصلاحية المعاصرة بجانب صور لرموز الإصلاح الإسلامي، قائلا إن أناسا كثر فكروا في مشاكل الأمة وهمومها، وفي إيجاد طريق لاستنقاذها من واقعها المزري ، مضيفا أن محاولات الإصلاح هي محاولات ضاربة في تاريخ هذه الأمة فكل صورة من هذه الصور المعروضة تحكي جهدا بشريا جبارا ميدانيا ونظريا وفكريا، مبينا أن مسألة الإصلاح لم تكن مسألة منبتة عن واقع الأمة بل كانت مستمرة مع الظروف التي تواكب مسيرتها. 

وتابع كريكش أن هؤلاء المصلحين لم يكونوا منقطعين عن واقعهم بل إن الانقطاع جرى من الذين لم يدرسوا تصوراتهم وأغفلوا أهميتها، ولذا كان من الواجب العكوف مجددا على  دراسة هذه الشخصيات وإبراز تجربتها للأستفادة منها

بين الإصلاح والتجديد

وفي معنى الإصلاح يرى الدكتور كريكش أن القرآن الكريم استعمل هذا المصطلح كحل ابتدائي مقابل بداية الفساد والانحراف، وتشهد على ذلك جملة من الآيات التي عبرت عن رغبة الشارع في الإصلاح عند بداية كل ظاهرة إفساد، وهو في هذا المعنى لا يلتقي مع معنى الاستخلاف أو التجديد؛ إذ المعنى الأخير معنى أشمل وأوسع فالتجديد والاستخلاف هي المرحلة التي تحتاجها الأمة عند ضياع كل أمرها وسقوطها سقوطا فاحشا، ما تحتاج معه إلى تجديد كامل في مناحي حياتها الفكرية والاقتصادية والبيئية، ولذا تجد حسب رأي الضيف ـن ابن داوود كان موفقا في وضع حديث التجديد المشهور، في باب الملاحم وهذا دليل على فهمه للحديث بهذا المنحى الجذري للتغيير، ويرى الضيف أن علماء المسلمين فهموا هذا المعنى أيضا  بشكل واضح، كما عند  ابن خلدون في مقدمته حيث يقول (وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث ...)  ولعل هذا أيضا ما جعل الجويني يكتب كتابه "الغياث" ليحاكي ماذا لو اندرست معالم الدين.

وهنا لا تندرس هذه المعالم إلا في عالم الملاحم الكبرى التي تتكرر كل فترة زمنية معينة وقد أقتها الحديث بـ100 عام وفيها تتبدل الأحوال وتنقلب الثوابت الجغرافية والمالية والاجتماعية في الأمم ما يلزم موكبة تجديدية معها للمفاهيم الدينية كي تستطيع مواكبة الحاضر ولا تكن حبيسة فكر مرحلة زمنية رحلت.

وقد كانت تجربة الأسماء الإصلاحية التي مرت بالتقرير مواكبة تماما للتغيير الذي حصل تلك الفترة التي اندرست فيها الإمبراطوريات وتبدلت إلى دول أقل حجما، كما تبدلت وتغيرت فيها مصادر الطاقة وجغرافية الحياة ما دعاهم إلى طلب تغيير يواكب هذه الحالة الجديدة فنفضوا عن الفكر الديني ما تراكم به من خرافات عقدية وجمود فقهي يمنع التطور.

الحركات الإصلاحية والحركات الاجتماعية 

ويرى الدكتور نزار أنه من الواجب التمييز بين الحركة الإصلاحية التجددية وبين الحركة الاجتماعية التي تعتمد على المجتمع في التغيير. 

فالأولى حركة فكرية نهضوية استطاعت من خلال رموزها تغيير الكثير من الأفكار الدينية وتحرير الدين من تكلسات الماضي، واستشهد كركيش بشخصيات أثرت بكتاباتها في عموم  حال الأمة  كالنورسي وشكيب أرسلان ومحمد عبده  ورشيد رضا. 

غير أن التأثير الأبرز في داخل المجتمع لا يكون في نظر الباحث التاريخي إلا من خلال حركة اجتماعية تعتمد على وجود موارد وتنظيم وقدرة على التحرك من الأسفل أي من القاعدة الجماهيرية وهذا ما نجح فيه إدريس السنوسي في قيام دولته ونجح من خلاله محمد بن عبد الوهاب في قيام دعوته حتى اليوم.

وبالتالي الحركة الاجتماعية إذا استطاعت أن تتحرك من خلال المجتمع ستصل إلى الحكم كما في التجربتين الماضيتتي مما يكفل لها التغيير الحقيقي التي تريده.

الحركات الصلاحية والحركات الحداثية  

وعن أسباب الخلاف بين المدرستين الإصلاحية والحداثية، يرى الدكتور نزار أن السبب الرئيس لاختلاف المدرستين وتصادمهما هو قراءتهما للمستقبل السياسي للمنطقة ففي حين يرى الإسلاميون عودة الأمة إلى حاضنة الخلافة والدولة الجامعة للأمة كـان الحداثـيون يـرون أن ذلك الزمن قد ولى وقد جاء وقت الدولة القطرية وقد كانت قراءة القطريين هي الناجحة حسب رأي  الدكتور كريكش حيث استطاع الفكر القومي إنهاء دولة الخلافة وإنشاء الدولة القومية التي نادى بها التنويريون.

المحور الثاني، الحركات الإصلاحية والأثر السياسي

وفي هذا المحــور عرض البرنامج  رأي رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي حول الأثر السياسي للحركات الإصلاحية، حيث بيّن الشيخ في لقاء سابق له قبل ثورات الربيع العربي عبر فضائية الحوار أن الحركات الإصلاحية إلى ذلك الوقت لم تستطع فقط الوصول إلى سدة الحكم، غير أنها استطاعت أن تغير كل شيء وتؤثر في كل شيء وتتدخل في كل شيء حتى أقصت العلمانية من كثير من مواطنها.

وبالعودة إلى الضيف الباحث في فلسفة التاريخ الدكتور نزار كريكش، وتعليقا على كلام الغنوشي في المسألة يرى الدكتور كريكش أنه من الواجب الوقوف والتساؤل عن سبب نجاح الحركة السنوسية والوهابية في الوصول إلى الحكم مقابل فشلها في مصر. 

ويرجع ذلك في نظر كريكش إلى قدرة قراءة الحركتين للواقع المعاش وتكيفها معه ومرونتها في مقابل جمود الحركات الإصلاحية في مصر وتقوقعها وعدم تفاعلها مع المجتمع.

ويظهر ذلك واضحا في ما قاله المستشار المصري طارق البشري بخصوص انفصال الحركات عن الجسم المؤسساتي في الدولة، وهو ما أشار إليه جمال الدين الأفغاني في رسالته إلى شكيب أرسلان التي وصف فيها محمد علي بالوالد المشفق الذي ينشد السلامة لأبنائه، ففي حين تقرب التنويريون من محمد علي واستفادوا من سلطته انفصل عنه الإصلاحيون وابتعدوا عنه ليحيكوا ضده المؤامرات والدسائس متقوقعين على أنفسهم حارمين جموع المجتمع من الاستفادة منهم بخلاف خصومهم الذين استطاعوا التأثير على المجتمعات بالانفتاح عليها والتحرك من خلالها وهو الأمر الذي استفاد منه محمد إدريس السنوسي في تكوين دولته، فانفتح على من حوله من القبائل وتحرك من خلالهم في الوصول الى سدة الحكم.

كذلك يعيب الدكتور كريكش على الحركات الإسلامية جمودها على أسلوب التغيير المتبع الذي قد يكون ناجحا في فترة ماضية، غير أنه لا يتناسب مع تغيرات إسترتيجيات الأنظمة الحاكمة المقابلة لهذه الحركات التي لا تزال ترى أن التغيير يبدأ من القاعدة، فإذا تغيرت القاعدة تغير النظام الحاكم  لها، وهذا ما استطاعت الأنظمة الحاكمة مجابهته بعد أن طورت آلياتها  للسيطرة على حركات التغيير من خلال إستراتيجيات خلق الإجماع الوطني التي أطّر لها فرويد في كتاباته وسياسات السيطرة على الموارد مقابل جمود إصلاحي إسلامي والتمسك بموروث لا بدّ له من التغيير والتحديث في تعليق له عن وسائل الدعوة التي جمد عليها الإصلاحيون الإسلاميون  

المحور الثالث، الحركات الإصلاحية والأثــر الشعوبي

وعن أثر هذه الحركات في المشهد الثوري يرى الدكتور الكريكش أن المجتمعات استفادت من هذه الحركات من خلال تنظيمها لهم وتأطيرها وقيادتها زمن الثورة كونها الجسم الجاهز لقيادة تلك المرحلة. 

غير أن عدم مواكبة هذه الحراكات للتطور وانغلاقها عن نفسها، وعدم إشراك المجتمعات في الحركة السياسية جعل منها محط نفور من العامة. 

ولذا ينصح الدكتور الجماعات الإسلامية بتغيير إسترتيجياتها المتبعة ومواكبة التغيير من خلال إدماج المجتمع في حركة التغيير واستخراج القادة منه والاستفادة من بروز الطبقة الشبابية الأعلم بحال عصرها والأدرك لواقعها 

هذا وعرض البرنامج إجابات بعض المشاهدين عن تساؤل الحلقة

هل تعتقد أن ثورات الربيع العربي كانت نتيجة للحركات الإصلاحية المعاصرة؟ وكانت الإجابات على النحو التالي: 

1- عمران الفرجاني 

لا بل هو انفجار والدليل أنهم أعادوا تلك الأنظمة

2- موسى تيهو ساي 

الثورات نتاج الاستبداد وقتل مواهب وتطلعات الأمة الإسلامية، ولاشك في أن هناك تأثير واضح من الحركات الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية الساعية إلى إعادة مجد الأمة وهيبتها. 

3- Waleed Essa‎‏ 

لا هذا ليس نتيجة للحركات الإصلاحية بل نتيجة للحركات التظليلية المنحرفة التي ظللت الرأي العام المتمثلة في حركات الإخوان المسلمين وذراعهم الإعلامي قناة الجزيرة القطرية وبناتها غير الشرعية مثل النبأ والتناصح. 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017