برنامج كلمة سواء يبحث موضوع التعايش عند أهل السنة

5 ديسمبر 2017 - 13:38

الإعلامي مصطفى الكبير مع ضيفيه يناقش مفهوم أهل السنة

5 ديسمبر 2017 - 13:38

مشاركة





تظل مسألة التعايش بين المختلفين عقديا ومنهجيا وسياسيا من أهم المسائل التي تثير مساحة واسعة من النقاش، ولعل ما تناولناه في الحلقة الماضية من نقاش مفهوم فقه التعايش فتح الباب على كثير من القضايا الحساسة التي لزم عدم الفرار من مناقشتها.

وحتى قبيل الخوض في مسألة التعايش بين المسلمين وغيرهم من أهالي الديانات الأخرى، وقبيل النقاش في حالة الانفكاك التعايشي بين الفرق الإسلامية 

كان علينا أن نناقش حالة البيت السني وتأزم العلاقة بين أطيافه العقدية والسلوكية والمنهجية. 

"أهل السنة بين قدر التفرق وأزمة التعايش"  كان عنوان حلقة "كلمة سواء" ليوم الجمعة  1/12، التي خصصت للتعريف بهوية أهل السنة، وقد استضاف البرنامج كلّا من الأمين العام لمجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء الشيخ الأستاذ سامي الساعدي، وعضو رابطة المغرب الإسلامي الشيخ رياض صاكي. 

 وبداية وُجه السؤال إلى الأمين العام لمجلس البحوث عن من هم أهل السنة؟ 

يرى الأمين العام لمجلس البحوث الشرعية الشيخ الأستاذ سامي الساعدي أن لفظة السنة لفظة تزامنت مع الصدر الأول لهذه الأمة من خلال كلام بعض الصحابة كعبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما قال في قوله تعالى "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" قال ذاك يوم تبيض فيه وجوه أهل السنة وتسود فيه وجوه أهل البدعة.

والسنة في العموم كما هي عند أهل العلم ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء في باب العبادات أو باب العقائد.

وقد أطلقت لفظة السنة في باب العقائد بالذات وعند علماء الكلام بمن تمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الأمور العامة المجملة، وهو ما سماه شيخ الإسلام ابن تيمية بالجمل الثابتة في الكتاب والسنة.

وهي تلك الجمل التي تكون محل الإجماع ، ولا تتخللها الآراء والاجتهادات سواء كانت في المسائل العلمية أو المسائل العملية، وأهل السنة بهذا المفهوم يكونون في دائرة أوسع من تلك الدائرة التي حصر فيها البعض مفهوم أهل السنة في دائرة جماعته وفرقته.

ويستمر الشيخ سامي موضحا هوية أهل السنة بأنهم هم تلك الجماعة التي لا يُعلم لهم اسم سوى هذا الاسم مقابل من تسمى بأسماء أخرى  من الفرق الكلامية البدعية التي ظهرت عقب عصر الصحابة، 

وليس ببعيد عن هذا التأطير يرى عضو رابطة المغرب الإسلامي الشيخ رياض صاكي أن السني هو من اجمتع مع أهل السنة في الثابت والمجمع عليه بينهم ولم يخالفهم في أصل كلّي أو مجموع فروع تصل إلى مستوى الأصل الكلي، بحيث تعدّ مخالفته لهم وسما له من دونهم كما جاء في كلام الإمام الشاطبي عند تحدثه عن خروج الرجل من دائرة السنة.  

ويضيف الشيخ سامي الساعدي عند هذه النقطة ضابط التحزب للرأي المخالف للأصل الثابت عند أهل السنة، ومثال ذلك ما ابتدعته المعتزلة وتحزبت عليه كأصل التحسين والتقيبح العقلي.

وبيّن الشيخ أن مسألة الحكم على الفرق والجماعات لابد أن يستحضر معها التطور الفكري لتلك الفرق وقت الحكم عليها من علماء السنة، فطوائف الخوارج مثلا في غالب رأي علماء أهل السنة ليسوا بكفار إلا عندما أنكرت طائفة منهم سورة يوسف فكان الحكم على تلك الطائفة دون غيرها من الخوارج، وكذلك الحكم بكفر القدرية المنكرة لعلم الله السابق كان منحصرا في الطائفة التي أنكرت ذلك دون طوائف القدرية الأخرى، التي لم تصل في إنكارها إلى هذا المستوى من المعلوم من الدين بالضرورة.

والأمر ذاته منطبق على فرق أهل السنة فلا يحكم على فرقة منهم بالخروج عن دائرة السنة بالكلية لرأي ارتأته طائفة منهم في زمن معين وفي ظروف معينه، بل الحكم يتعين على تلك الطائفة وحدها ولذا كان تنزيل حديث الافتراق على فرق أهل السنة من الأمور المستعصية والدقيقة على الناس.

وعن التقسيمات العلمية التي تحد دائرة أهل السنة والجماعة بين موسع ومضيق يرى الشيخ رياض أن هذا المصطلح يطلق باعتبارين اثنين، أحدهما عام في مقابل الرافضة وآراؤهم بخصوص مسألتي الإمامة والصحابة، والآخر اعتبار خاص في مقابل من خالف أهل الحديث في شيء من اعتقاداتهم.

  وأما ما يخص دائرة المنهج فإن الإخراج بها بات اليوم متعلق بمدى فهم وتنزيل أحاديث الإمامة على الحاكم المعاصر بحد ذاته ومدى استحقاقه لوصف الإمامة من عدمه كي يحكم على من يعارضه بمخالفة أهل السنة.

وفي هذا الباب يرى الشيخ سامي أن مقياس استخدام الشيخ صالح آل الشيخ وزير الأوقاف في المملكة السعودية للحديث من عدمه في مسألة تحديد من هم أهل السنة هو مقياس يحجر واسعا، فالأخذ بالحديث وإن اختلفت ضوابطه بين الفرق  هو أمر مجمع عليه بينها، سواء ممن حسبت من أهل السنة أوغيرها من الفرق الكلامية، فأما داخل دائرة أهل السنة فإن الخلاف في قبول الحديث من عدمه يرجع إلى بعض الضوابط المختلف عليها في علم المصطلح لكنهم في عمومهم لا يردون الحديث  إلا لحجة عندهم، أما من هم خارج دائرة أهل السنة فهم أيضا يعلنون أخذهم بالحديث، فالشيعة مثلا قوم يستدلون بالحديث ويجعلونه مصدرا للتشريع وهذا لا يعني التسليم بما يستدلون به  فهم قد أدخلوا عليه ضوابط بدعية لا تسلم من الضعف والهوان العلمي.

ويرى الشيخ سامي أن المتداول بين فِرَق أهل السنة من إخراج بعضها لبعض من هذه الدائرة هو أمر تاريخي وليس بحديث أنشأه كلام الشيخ صالح آل الشيخ أو مؤتمر قروزني الذي أخرج السلفية والإخوان من دائرة أهل السنة، وأن دأب العلماء المصلحين جمع الفرق تحت مظلة واحدة للمصلحة وهو فعل شيخ الإسلام في مناظرته المشهورة، لما سئل عن عقيدته الواسطية بالرغم من أنه واضح في اعتقاده المخالف لأهل التأويل من الأشاعرة والماتردية.

ويرى الشيخ سامي أن التأصيلات العلمية التي يضعها العلماء في تصنيف الناس والفرق تتباين عند تنزيلها على الواقع من خلال العلماء أنفسهم، لأنه لا يمكن أن تتنزل الأحكام بالصورة المجملة، ويكمن الخلل عند الشيخ سامي في مسألة الإطلاق في الحكم عند بعض الجماعات والأفراد، فإما أن يكون الرجل سنيا صرفا وإما أن يكون بدعيا ولو لامس البدعة في أحد أفعاله أو أعتقاداته. 

ولعل مبدأ التجزء الذي تواتر العمل به في الأصول هو أكبر دليل على نسف مثل هذه المبادئ، ومثّل لذلك بمسألتي الاجتهاد والتجديد، فإن الرجل قد يكون مجتهدا في جانب دون جوانب أخرى يكون فيها مقلدا، وكذلك التجديد فقد يكون الرجل مجددا في جانب علمي دون أن يكون مجددا في جوانب أخرى فيطلق عليه وسم التجديد في ما جدد فيه فقط.  

وخلاصة الأمر عند الشيخ سامي أن الرجل قد يكون سنيا من جهات وإن تلبسته البدعة في شيء من أمره فلا يخرج من دائرة أهل السنة إلا بقدر بدعته  ولا يحكم عليه  بالبدعة  بالإطلاق.

و يقول الشيخ سامي أن هذا هو مذهب الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله عند جوابهما عن الأشاعرة، وقد بيّنا أن الأشاعرة من أهل السنة فيما أصابوا فيه وأنهم من غير أهل السنة فيما خالفوا فيه أهل السنة. 

ويرى الشيخ سامي أن الحكم بالإطلاق سيجرنا إلى إخراج كبار علماء السنة من أمثال ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث وغيره من دائرة السنة، لأنهم اقتنعوا في مسالة من المسائل باجتهادهم مخالفين عموم أهل السنة  في اعتقادهم، ضاربين بكل جهودهم في خدمة السنة وعموم اعتقادهم الموافق لمذهب أهل السنة.

كما أن مذهب أهل السنة في عمومه يخالف الإطلاق في الحكم على الأفراد دون التوسط في الحكم عليهم، ويشابه هذا الحكم ما يعتقده الخوارج والمعتزلة فيمن يدخل النار، فهو عندهم مخلد فيها لا يخرج أبدا منكرين الشفاعة ومنكرين دخوله الجنة بعد عذابه بقدر معصيته ضاربين بالنصوص الدالة على ذلك عرض الحائط.

واستغرب الشيخ سامي من أصحاب هذا المنهج الذين اختاروا الحكم على الناس بالإطلاق دون التفصيل في أحوالهم والعدل معهم، معتبرين نصوص كبار علماء السلف من أمثال ابن تيمية اجتهادا خاطئا بعد أن بين الشيخ أنه قد يجتمع في الرجل سنة وبدعة فيحب بقدر سنته ويبغض بقدر بدعته.

ويرى الشيخ رياض أن سبب الإقصاء الذي نعاني منه اليوم هو ما بينه الشيخ سامي في هذه المسألة مستدلا بكلام ابن القيم رحمه الله من أن بعض الناس تطيق عقولها الجمع ولا تطيق الفرق فيسهل عليه الحكم بالإطلاق ويصعب عليه العدل مع الناس وتفصيل أحوالهم حسب أخطائهم.

ومن ثَمّ بات عندهم التصنيف بين أمرين إما خير محض لزم أن لا يخطئ  صاحبه في مسألة من المسائل التي يعتقدونها، وإما شر محض وإن خالفهم صاحبه في مسألة واحدة واجتمع معهم في كثير من غيرها، مخالفين في ذلك النصوص المتقدمة عن شيخ الإسلام من أن الرجل قد تجتمع فيه سنة وبدعة فيحب بقدر سنته ويبغض بقدر بدعته.

 ويرى الشيخ صاكي أن مثل هذه الضوابط التي يدندن بها أصحابها ستضعنا أمام فرضيتين عند التنزيل للتطبيق، فإما الأخذ بهذه اللوازم وإقصاء كل من تلبس بمخالفة ولو كانت يسيرة، وكذا فعل الحداد لما حرق كتب ابن حجر والنووي وتبرأ منهما وساوى بينهما وبين غيرهما، وفق لازم منهجه.

ويضيف الشيخ إن أصحاب هذا المنهج سيجدون أنفسهم عند التطبيق مضطرين إلى عدم تنزيل ضوابطهم على الواقع لصعوبة إخراج العلماء الكبار من دائرة السنة أو لخوفهم من نفور الناس من مذهبهم وفضح طريقتهم في التعامل.

ويرى الشيخ سامي أن هذه الضوابط المخالفة للأصول في التعامل مع الناس ليست محصورة في فرقة واحدة من الفرق الثلاث، بل هي متوزعة عليها حسب التطور الفكري لهذه الفرق، فقد تجد أشعريا متعصبا في فترة من الفترات يضيق واسعا وكذلك الأمر في مراحل من مراحل الفكرعند أهل الحديث. 

ويضيف الشيخ رياض أن من الإشكاليات التي أدت إلى الهوة بين الفرق هو التعمق في الجانب الكلامي العلمي دون البسط في الجانب التربوي والبحث عن الفائدة من دراسة العقائد، وزرعها في قلوب الأجيال فبات بعضها ينافس بعضا في أبواب الردود، منشغلين بها عن الفائدة التي كانت مرجوة من دراسة العقائد.

وأردف الشيخ أن أولئك المتنافسين غيبوا أيضا الفائدة من دراسة الطرح العقدي السلوكي الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حواره مع الحصين عند سؤاله لمن يتوجه من آلهته التي يعبدها في الضراء، فقال له لمن في السماء، فأمره بترك من سواه في صورة مبسطة مقنعة دون أن يتعمق معه في الجدليات التي نسمعها اليوم، ناقلا إياه إلى العمل مباشرة قائلا له إني أعلمك كلمات.

وهديه صلى الله عليه وسلم آنفا مخالف لما يعمد إليه بعضهم اليوم من إشغال العامة في تفاصيل الجدل العقدي والردود على الفرق، مضيعين عليهم المعنى الحقيقي في مسائل مهمة كرقابة الله عليهم ومعرفة معني الأسماء والصفات التي تحقق معنى العبودية في القلب.

وأخيرا نوه الشيخان إلى مسألة حظوظ النفس عند كثير ممن  يتصدرون المشهد داخل فرق أهل السنة وأنها بلا ريب سبب من أسباب الإقصاء المتزايد هذه الأيام.

وأما بخصوص المواقف السياسية وتشابهها بين بعض حالات الفرق  بالرغم من الإقصاء العقدي فذلك ليس بمستغرب  عند الشيخين، فالسياسية والأهواء أيضا تجمع وتفرق عندما يكونان هما الحكم لا العالم، فكما تفرقت جماعة الإخوان المسلمين في حرب الخليج على موقف الدعم لحرب العراق من عدمه  اجتمع موقف علي جمعة الأشعري مع محمد رسلان المدخلي في مسألة الخروج على مرسي والرضى بالانقلاب في مصر.

واختتمت الحلقة على هذا الحوار على أن يكون هناك موعد آخر مع الشيخين لمدارسة مفهوم الولاء والبراء وعلاقته بفقه التعايش.

 

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017