أناشيد
فبراير

حلقة كلمة سواء: لا تناقض بين مفهوم التعايش وأصل الولاء والبراء

21 ديسمبر 2017 - 00:34

مصطفى الكبير يناقش مفهوم التعايش ضمن أصل الولاء والبراء

21 ديسمبر 2017 - 00:34

مشاركة

من المصطلحات التي يكثر تردادها عند مدارسة فقه التعايش مصطلح الولاء والبراء، والذي بات سلاحا  يشهره كل مخالف أمام مخالفيه.

ومن خلال متابعة تطبيقاته باتت القطيعة مشروعة وبات الهجران قربة، الأمر الذي فرض الوقوف عند هذا المصطلح ومدارسة شيء من تفاصيله وتطبيقاته.

 

الولاء والبراء وفقه التعايش، كان عنوان حلقة كلمة سواء ليوم الجمعة الخامس عشر من ديسمبر، ويعد محتواها تكملة لحلقتي فقه التعايش الماضيتين.

واستضافت الحلقة أمين مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء الليبية الشيخ الأستاذ سامي الساعدي، وعضو رابطة علماء المغرب الإسلامي الشيخ رياض صاكي. 

 

وانتظمت الحلقة في محاور أولها تناول مفهوم الولاء والبراء 

 

أمين مجلس البحوث: مدارسة المصطلحين اقتضته المرحلة 

يبين الشيخ سامي الساعدي أن مفهوم الولاء والبراء هو مفهوم متجذر في عقيدة المسلمين، متصل بمفهوم كلمة التوحيد التي يكون بمقتضاها البراءة من الشرك وأهله 

والولاء لمفهوم التوحيد وأهله. 

 

ولأن هذا المفهوم شابه ما شاب غيره من المفاهيم العقدية التي طالتها أيادي الغلاة والمفرطين، يقول الشيخ إنه كان من اللازم مدارسة هذا المفهوم وتجلية آثاره وضوابطه.

والناس في هذا الزمان كما يرى الشيخ سامي بين المفرطين في هذا الباب الذين ميعوا هذا الأصل باسم التعايش مع الكفار، أو المبتدعة، مضيعين أصولا عظيمة، وبين صنف آخر غلا في هذا الباب، فحرموا أصل التعامل مع كل المخالفين والمتلبسين بالبدع أو الكفر، وهو خلاف عمل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.

عضو رابطة المغرب الإسلامي: الولاء والبراء أصل للتعامل مع كل مخالف  

 

ويبين الشيخ رياض صاكي أن مفهوم الولاء والبراء هو أصل في التعامل مع كل المخالفين حسب نوع خلافهم، سواء كانو كفارا أو مسلمين. 

ويضيف أن هذا الأصل متعلق بمفهوم الحب والبغض، فيُحب المرء على قدر ما عنده من الإيمان، ويُبغض على قدر ما عنده من المعصية إن كان مسلما، أو بقدر كفره إن كان كافرا. 

ولذا قسم العلماء الناس في هذا الباب على ثلاثة أصناف، أحدها تصرف له كل المحبة، وهم الذين اتصفوا بالإيمان من المسلمين المطيعون إذ يحبون لذاتهم وأفعالهم.

وبالمقابل هناك صنف آخر يُبغض لذاته ولفعله، وهم الكفار الذين حادوا الله ورسوله في اعتقاداتهم، وفي أعمالهم المبنية على تلك الاعتقادات، فيبغضون على هذا الأمر وبقدره، غير أن هذا البغض لا يمتد إلى ما أباحه الله تعالى من حق التعامل معهم أو ما ينتج من حب فطري من هذا التعامل كحب الزوج لزوجته أو حب الولد لوالده أو العكس.

ويتبقى صنف ثالث وهم المسلمون الذين اختلطت أعمالهم وتباينت تصرفاتهم بين السنة والبدعة والمعصية والطاعة، فيحبون بقدر موافقتهم للحق ويبغضون بقدر مخالفتهم له سواء كانت المخالفة معصية أو بدعة وهذا عمل أهل السنة في هذا الباب .

 

 

الساعدي: ضوابط  لا بد منها في فهم أصل الولاء والبراء 

وبالحديث عن ضوابط هذا الأصل يرى الشيخ سامي أن فهم درجات هذا الأصل يعد أهم ضابط يمكن من خلاله الاطمئنان إلى تطبيق هذا الأصل. 

كما يحذر الشيخ من تصرفات البعض وضربهم نصوص الولاء والبراء بعضها ببعض، ما ينتج عنه خلل في التطبيق والتعامل مع الغير. 

وبيّن الشيخ سامي أن سبب مثل هذا التصرف هو العمل بالإطلاقات دون فهم التفاصيل والعمل بها، ولذا قال عمر بن الخطاب عن أهل الرأي أعيتهم الأحاديث فلم يحفظوها 

فاتجهوا للرأي الفاسد أمام الأحاديث الصريحة المخالفة لآرائهم. 

 

صاكي: الهجر صورة من صور البراء والشارع ضبطها 

وفيما يتعلق بمسألة الهجر يرى الشيخ رياض صاكي أنها صورة من صور البراء التي ضبطتها الشريعة، وكانت المصلحة هي الأساس من وراء تشريعها، غير أن البعض اليوم تناسى تنزيل تلك الضوابط على هذه المعاملة، فبات الهجر سلاحا يشهر في وجه المخالف حتى ينتج من خلاله ما قد يضيع مصلحته الأساسية من كف أذى المهجور أو رده إلى دائرة الحق. 

 

المحور الثاني: صور من تطبيقات الولاء والبراء 

 كانت بداية المحور الثاني من الحلقة بتسجيل بُث من خلاله تعريف للشيخ الدكتور عبد العزيز الطريفي لأصل الولاء والبراء، وكونه ثمرة في القلب تنتج عمل الظاهر، 

وتعليقا على مبدأ التجزؤ الذي بينه الشيخ الطريفي في التسجيل يرى الشيخ صاكي، أن هذا المبدأ هو أصل في عقائد أهل السنة والجماعة، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما بين غلط الفرق في باب الإيمان، حيث جعل الخوارجُ الإيمانَ شيئا واحدا لا يتجزأ فإن ذهب ذهب كله وإن بقي بقي كله.  

بخلاف أهل السنة الذين يعتقدون بتجزؤ الإيمان فقد يجتمع في الشخص إيمان وكفر (كفر دون كفر)،  وقد تجتمع فيه طاعة ومعصية، ولعل هذا المبدأ هو الفارق بين أهل السنة وغيرهم من الفرق.

 الساعدي: المدخلي شابَه المبتدعة في رفضه مبدأ التجزؤ 

وتعليقا على كلام الدكتور ربيع المدخلي الذي يرد فيه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في تقريره مبدأ التجزؤ في الولاء والبراء؛ يفصل الشيخ سامي الساعدي في هذا الباب من خلال تبيين أن هذا المبدأ هو مبدأ ناتج عن الالتزام بضابط العدل الذي وجب الاتصاف به، وأمر به المولى عزو جل. 

ففي الوقت الذي يعامل الله الخلائق من خلال مبدأ العدل الذي يوجب النظر في ميزان الشخص من حسنات وسيئات يشن المدخلي حربه على هذا المبدأ ويسمي أنصاره بجماعة الموازنات.

ويبين الشيخ سامي أن مبدأ المدخلي في حكمه على الناس في باب الولاء والبراء مبدأ موافق لأهل البدع من الفرق الضالة الذين لا يعتقدون بالتجزؤ، فيرفض عمل الرجل ولو كان فيه من الصلاح الشيء الكثير بحجة تلبسه ببدعة، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم أن الله قد يثيب من دعاه عند قبر مع أن الدعاء عند القبر أمر مبتدع ولكن لما احتوى هذا الدعاء مطلق الذل والخضوع والرهبة والخشيىة حق له الأجر بإذن الله، وهذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله لم يكن حسب الشيخ سامي بدعا من القول بل إن آثار السلف دالة عليه مؤكدة له.

ومن ثَمّ يقول الشيخ سامي الساعدي، إن أمام المقلدين للشيخ ربيع خيارين اثنين فإما أن يتابعوا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يقرر مبدأ السلف في هذا الباب، وإما أن يتابعوا شيخهم الذي خالف أهل السنة في هذا الباب بالرغم من القاعدة المعروفة أن المثبت مقدم على المنفي.

 صاكي: لامعنى لتفريق المدخلي بين المبتدع والفاسق في الباب 

ويرى الشيخ رياض صاكي أن الدكتور ربيع أصل أصلا في الباب ناقض فيه نفسه، ففي الوقت الذي يرى فيه استحالة أن يجتمع في قلب المسلم  جبلة بغض وحب لشخص واحد نراه يقر هذا الاجتماع في حالة الفاسق دون حالة المبتدع، فكيف يتأتى هذا الاجتماع في حالة ويتخلف في أخرى.

وليس هذا عند الشيخ رياض إلا تخبطا من الشيخ في فهم هذا الباب الذي لا يعد نشازا عن غيره من أبواب العقيدة التي بناها أهل السنة عبر مبدأ التجزؤ، سواء كانوا من الأوائل المتقدمين كشيخ الإسلام ابن تيمية أو من علماء الدعوة السلفية النجدية من المتأخرين الذين أقروا بهذا المبدأ.

ويؤكدالشيخ رياض أن هذا المبدأ منطلقه العدل الإلهي الذي يقبل من الإنسان الجزء الصحيح ويرد عليه الجزء الفاسد، وعليه كان على المسلم أن يقبل من أخيه الجزء الصحيح ويواليه عليه ويتبرأ من الجزء الفاسد والباطل منه.

 الساعدي: تقعيد الدكتور ربيع أثر بالسلب على الواقع الإسلامي 

ويرى الشيخ سامي أن الأخذ بهذا التقعيد الذي تبنته المدرسة المدخلية جرّ على الأمة الويلات، وبات حال غلاة التبديع كحال غلاة التكفير، وآل أمرهم إلى قتل مخالفيهم بعد إقصائهم  وإن اختلف باب الإقصاء عندهم لكن النتيجة واحدة.

واستشهد الشيخ بحادثة مقتل الشيخ نادر العمراني في ليبيا ومقتل الشيخ محمد السعيد في الجزائر، فقد قتل الشيخان من حيثية جواز قتل المبتدع التي طبقها هؤلاء على الشيخين ظلما وعدوانا.

فالشيخ نادر مثلا عندهم إخواني مخذول، وكل إخواني عندهم خارجي، وهكذا يعاملون كل مخالف لهم.

ويزيد الأمر سوءا عندما يشابه المداخلة المكفرة في عدم إعذارهم في الاجتهاد، ولذلك نقل شارح الطحاوية عن شيخ الإسلام قوله إن من ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون، ومن ثَمّ لا يبدعون أيضا، ومن علامات أهل البدع أنهم يكفرون حتى بالاجتهاد، وهذا ما طابق فيه المداخلة المكفرة، فلو أن عالما من أهل السنة من غير فرقتهم  وصل به اجتهاده المعتبر بعد أخذه المحكم بأدوات الاجتهاد إلى حكم يخالفهم فيه ما عذروه ألبتة، ولصنفوه مبتدعا واستدلوا على بدعته بمخالفته لهم فقط في المسألة.

ويبين الشيخ الساعدي أن من مخالفات المدخلي وجماعته في هذا الباب تأويلهم لكلام أهل العلم وصرفهم إياه عن ظاهره بعد وضوح مخالفتهم له، ومن ذلك أيضا صرف الدكتور ربيع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب بحجة أنه لم يقصد كما فهمه الآخرون غير المدخلي، أنه يأخذ بمنهج الموازانات، ومثل هذا الفعل عند الشيخ سامي  ينطبق عليه كلام الشاطبي في إفسادهم للفقه، 

ويناشد الشيخ سامي القوم عدم إفساد كلام العلماء وتحميله إياه مالا يحتمل بصرفه عن وجهه الحقيقي.

 المحور الثالث: مفهوم التعايش ضمن عقيدة الولاء والبراء 

رياض صاكي: التطبيق الحق للولاء والبراء يضمن حق التعايش 

ويختم عضو رابطة المغرب الإسلامي الشيخ رياض صاكي مشاركته في الحلقة بأن تطبيق قاعدة الولاء البراء بضوابطها الشرعية السالفة يكفل بلا شك حق التعايش للجميع، فإما أن يحَب المسلم ويوالى بالكامل إذا ما كان خاليا من البدع والمعاصي الظاهرة، وإما أن يُحب في جانب الصواب ويُبغض في جانب الخطأ، وكل ذلك بمقتضى العدل الشرعي، ومن ثم يصح جانب التعايش خاصة إذا ما استحضرنا أن جانب البراء خصوصا ما يتعلق فيه من معاملات كالهجر هو من باب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف الذي يتعلق بمصلحة المخطئ الذي تسعى نصوص الشرع لإرجاعه إلى دائرة السنة ودائرة الخير.

 سامي الساعدي: دار الإفتاء الليبية مثال يحتذى في التعايش 

ويبين أمين مجلس البحوث والدراسات الشرعية بدار الإفتاء الليبية الأستاذ سامي الساعدي أن دار الإفتاء الليبية تعد مثالا ناجحا ونموذجا متميزا في هذا الباب، بعد أن طبق علماؤها ضوابطه وفهموا قواعده فنجوا مما سقط فيه غيرهم من التباغض والتحاسد والتبديع والإخراج من دائرة الاسلام والسنة. 

 

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017
من نحن    اتصل بنا   الخصوصية   الكتاب  
DMCA.com Protection Status