أناشيد
فبراير

ليبيا والبلايا الخمس.. "إيناس بوسعيدي"

14 فبراير 2018 - 20:05

الكاتبة الصحفية إيناس بوسعيدي

14 فبراير 2018 - 20:05

مشاركة

مع إشعالها شمعتها السابعة لم تنجح ثورة فبراير في تحقيق المراد منها.. ثار الليبيون على من طغى وتجبر..على نظام فرض حكم العسكر واقتسم وأتباعه الكعكة الليبية الدسمة، المروية بالذهب الأسود.

اجتمع الشعب على رفض القذافي ونظامه وأسقطوا معالمه ظنا منهم بأن لن يلي أمثال أنظمة كتلك سوى أخرى تحفظ حقهم وتمنحهم الحياة والحرية وتنهض ببلد يحوز الاحتياطي الأعلى من النفط في القارة الإفريقية ويحتل المركز التاسع عالميا.

لكن الليبيين وبعد سنوات من اندلاع ثورة فبراير لا يجدون في بلدهم دولة قائمة، وتسببت رموز قديمة جديدة في مزيد من التشرذم وأدخلها انتشار السلاح إلى عالم المليشيات مدفوعة الأجر.. والنتيجة بلد منقسم وغياب للمؤسسات وللقانون.

 ترزخ ليبيا حاليا تحت طائلة مشاكل عدة يتصدر بعضها المشهد وتعلو مؤشرات تصنيفها كعائق أمام حل الأزمة، فيما يلوح في الأفق ملامح الانفراج وإن طال انتظاره.

هي إن صح القول بلايا يدفع الشعب ثمنها في كل  مناحي حياته نذكر فيما يلي بعضا منها من وجهة نظر شخصية بحتة.

حفتر وأتباعه 

بعد عودته من الولايات المتحدة الأمريكية حيث  امتهن العمل المخابراتي بامتياز دفع خليفة حفتر بالسلاح والحرب إلى المقدمة بمحاولة الانقلاب على الحكومة في العاصمة طرابلس، محاولةٌ باءت بالفشل لينتقل بها إلى بنغازي حيث فتح النار على مدينة الثورة عبر عملية الكرامة التي أطلقها في عام 2014  بدعم إماراتي وبالاستعانة بمجموعات قبلية وتيارات دينية أبرزها تيار "المداخلة" بدعوى محاربة "الإرهاب"، والحال أنه كان يحارب كل رافض له.. 

حرقت منازل وسرقت وهدمت أخرى، لتدخل بنغازي في حرب هجرت أهلها ودمرت أجزاء كبيرة منها، ناهيك عن الاعتقالات والاختطافات والتنكيل والتعذيب بكل رافض لحكم حفتر العسكري.

أعلن حفتر الرافض للاتفاق السياسي نهاية الحرب وتحريره للمدينة فالرجل يهمه فقط فرض السيطرة على كل أجزائها للتجهيز لما بعد ذلك وما دون ذلك لا يعنيه.

  تصحو المدينة على الجثث وتبيت على القتل والإعدامات خارج نطاق القانون من قبل أتباعه من المداخلة وضباط عدد من قواته حتى باتت فيديوهات القتل والتصفيات أفكارا يلهو بها أطفال بنغازي عبر إعادة تمثيل أحداثها، كل هذا وغيره يحدث في مدينة ينتشر فيها السلاح كغيرها من المدن الليبية وبات مستقبل ليبيا مرهون وفق كثيرين بنهاية حفتر ومن يتحفتر له على حد قولهم.

انتشار السلاح

فتح القذافي إبان الثورة مخازن السلاح أمام مؤيديه للدفاع عن العاصمة، قُتل العقيد وسقط النظام وانتشر السلاح في كل مكان وبات حمله مظهرا اعتياديا في عدد من كبير من المناطق.

فلا يكاد الهدوء يسود مدينة حتى تنتقل شرارة التوتر إلى أخرى، طرق بأكملها أغلقت لفترات لعدم قدرة السلطات على تأمينها وانتشار مسلحين بها ناهيك عن من باتوا يمتهنون السطو المسلح للعيش.

من الزاوية إلى صبراتة فطرابلس فسبها وغيرها تنتشر مجموعات مسلحة في أمكان عدة تؤكد كل منها تبعيتها لجهة معينة لكن كثيرا ما يثبتون أن لا ولاء لهم سوى لمن يدفع أكثر.

العاصمة..حيث يستوطن المجلس الرئاسي وحكومته المعترف بها دوليا شهدت منذ أسابع قليلة اشتباكات راح ضحيتها العشرات وأوقفت جراءها الملاحة الجوية من مطار معتيقة الدولي.

ورغم الدعوات الدولية العديدة لحل الإشكال وتأكيد الاتفاق السياسي على ضرورة إدماج التشكيلات المسلحة وانصهارها في جيش موحد بقي الإندماج مجرد حبر على ورق وظل الانقسام حائلا دون ذلك.

الانقسام السياسي

حكومتان ومصرفان مركزيان هما أبرز معالم الانقسام في ليبيا انقسام سياسي وتشرذم مس مختلف جوانب الدولة ومؤسساتها.

انقسام مس قطاعات كثيرة ولم تنجح محاولات الأمم المتحدة عبر بعثتها في البلد وضع حد له.

 اتفاق سياسي وقّع بشق الأنفس في أواخر عام 2015 لم يطبق منه سوى تعيين مجلس رئاسي وحكومة يعيش وزراؤها على وقع التفويض في ظل رفضها من قبل مجلس النواب الذي لم يكلف نفسه حتى إدراج الاتفاق في الإعلان الدستوري.

ومع قدوم المبعوث الجديد غسان سلامة طرحت الأمم المتحدة خارطة طريق جديدة ظلّ اتفاق الصخيرات أساسا لها ولم ينجح حتى الآن في التوصل  إلى حلول في ظل عدم قدرة مجلسي النواب والأعلى للدولة على الوصول لصيغة توافقية وظلت الأسماء المطروحة للمناصب ككل مرة أحد أكبر الخلافات، خاصة وأن جهات عدة في البرلمان تحديدا تتشبث بشخصيات جدلية ولا ترى في طرح اسم حفتر مثلا أي حرج.

القبلية والتعنت

يكتسب الانتماء القبلي أهمية بالغة بالنسبة لكثير من الليبيين وخاصة في الشرق ويزيد من حدة الخلافات والانقسام.

وتحاول القبائل على اختلافها الاقتراب من الجهات الفاعلة بغية الحصول على نصيبها في كل فوز محرز. 

انتماءات زادت من هوة الانقسام ومع اعتماد حفتر عليها في عمليته ببنغازي مسّها مع مرور السنوات شرخ سببه عدم رضا عدد من القبائل على  نصيبها من ما أبدته من طاعة له.

انتماءات تمس التعيينات السياسية أيضا حيث مست القبلية الكثير من مناطحاتها وبنيت الكثير منها على أساس جغرافي وكان تمثيل مختلف مناطق البلاد في الأجسام عبر أسماء مدعومة أولوية مطلقة لتنتفي معها خيارات الانتقاء الأخرى والتي يفترض أن تكون الكفاءه أساسها لكن تعنت جهات عديدة وإصرارها على أسماء تطرح غالبا في مجالس محلية وقبلية قبل وصولها إلى أروقة الاجتماعات عمق الشرخ وحال دون تحقيق تفاهمات تتصدر مصلحة الوطن اهتماماتها.

النفط

في بلد رعوي تتأتى  90 بالمائة من مداخيل اقتصاده من الثروة النفطية تلهو أطراف من هنا وهناك بقوت الليبيين.

جماعات مسلحة ومليشيات لا تجد بين الفينة والأخرى سوى في الاستحواذ على حقول للنفط أو إغلاق عدد من الخطوط حلا لتحقيق مطالبها.

وأكثر من ذلك بلغ الحد درجة السيطرة على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي حيث تتوزع أكبر الحقول لمدة سنوات من قبل جماعة الجضران لتقف عملية الإنتاج والنقل وتدخل المنطقة في مرحلة شد وجذب وسيطرة لهذا أو ذاك.

يضاف إلى ذلك تحويل النفط إلى أداة للمساومة والابتزاز وتحقيق المطالب وإغلاق للحقول والخطوط لتهديدات بإلحاق الضرر بها في حال عدم الاستجابة.

النتيجة كانت دخول ليبيا في أزمة اقتصادية تراجع في خضمها رصيد البلاد من العملة الأجنبية وشحت  معها السيولة في البنوك وارتفعت الأسعار وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين.

ليتحول النفط من ثروة يفترض أن يتمتع الليبيون بخيراتها إلى بلاء يحوم الطامعون حولها.

لم يكن ترتيب البلايا عفاكم الله في هذه التدوينة من عدم بل تأتى من اقتناع شخصي أن ليبيا وإن كثرت مشاكلها حاليا إلا أن وجود حفتر وأتباعه وانتشار السلاح هما دون منازع البلوتان الرئيسيتان.. متى اقتلعتا من جذورهما ستنبت أخرى متينة القوام يانعة الأزهار.

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017