رئيس حزب الوطن عبد الحكيم بلحاج: مهما كانت الدوافع فإنها لا تبرر إصابة المدنيين والإضرار بالمنشآت
أناشيد
فبراير

فبراير باقية وتتجدد.. "عصام الزبير"

15 فبراير 2018 - 00:53

الكاتب الصحفي عصام الزبير

15 فبراير 2018 - 00:53

مشاركة

أحيانا لا تتمكن الثورات وآمالها من استكمال أهدافها، نتيجة لتطورات تحدث في المشهد السياسي والاجتماعي والمالي للبلاد، فتتدهور الحياة فيها وتنشب النزاعات الداخلية، وينمو التطرف وتعيش فيه أطراف على حساب أخرى يمارس بعضها التسلط وإقصاء الآخر كي يتفرد وحده بالسلطة.

نوضي نوضي يابنغازي

فاجأت بنغازي القذافي وأتباعه بأولى إرهاصات الثورة يوم 15 فبراير 2011، على خلفية أحداث سجن أبو سليم، فخرج أهالي الضحايا يومئذ مطالبين بإطلاق محامي عائلات السجناء المعتقل حديثا وقتئذٍ لدى الأمن الداخلي بالمدينة.

هبت العائلات ووقف إلى جوارهم سكانُ المدينة، وهتفوا آنذاك "نوضي نوضي يا بنغازي"، وقمعتهم حينها أدوات القذافي الأمنية، ثم انتفضت المدينة بعد يومين وأججت ثورة تمكنت لاحقا من إسقاط نظام جثم عليها 42 عاما، ولم يحقق إلا القهر والاستعباد والفساد وضياع أموال البلد.

مجد القذافي يقرب أجله

دأب القذافي على دعم حركات الإرهاب واصافا إياها بالتحررية، ويعمد مرة بعد أخرى إلى تغيير الأنظمة في القارة الإفريقية، في طريق حلمه بتنصيب نفسه إمبراطورا وحاكما لإفريقيا.

مؤامرات القذافي لم تلق اهتماما لدى الشعب المهمش الطامح إلى بناء دولة متقدمة، لها نصيب وافر من بيع النفط والاستثمارات بالخارج، سواء في إفريقيا أو بعض الدول الأوروبية وغيرها.

لم يتحصل الليبيون على أموال وأرباح من هذه الموارد، فهو يراها تهدر في مغامرات خارج البلاد، وبدأ تدريجيا يتفاقم شعوره بالإذلال المتعمد والظلم الممنهج في السجون وخارجها، حتى بدأ الانتفاض نتيجة في مرمى الشك والاستحالة، خاصة وأن مصير مخالفي القذافي وكتابه الأخضر وآرائه وطموحاته آنذاك لايسلم من السجن أو التصفية الجسدية.

لهو بالسياسة والدين

لمحة تاريخية على ليبيا القذافي توجز لك مأساة البلاد: مجزرة أبوسليم، وضياع مئات الشباب في حربي تشاد وأوغندا، وتضيع الأموال على قضايا لم تجن لليبيا غير المآسي والحصار، مثل قضية لوكربي ومقهى برلين والطائرة الفرنسية.

مغامرات القذافي لاتترك مدخلا إلا ولجته، إذ لم تسلم حتى منابر المساجد من تغول الرجل الذي عرفت عنه دعاواه الغريبة، واستهزاؤه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وتقليله من منزلته، ناهيك عن استحداثه فتوى عجيبة بترك "قل" في سورة الإخلاص والمعوذتين.

أخوك مُكره وبطل

هذه الظروف الخانقة وغيرها من قلة الخدمات وسوئها في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة، دفعت الناس إلى المطالبة بإسقاط النظام في ظل اندثار حرية التعبير واستفحال مراكز القوى بين القذافي وابنه والمؤيدين لهم. 

توسعت رقعات المؤيدين لإسقاط النظام والذي يدعي بأنه جماهيري وأن السلطة للشعب، غير أن المتظاهرين في ميدان الشهداء بطرابلس لاقوا معاملة مختلفة لم تشفع لها تلك الشعارات، بعد تأييدهم لانطلاق الثورة في بنغازي.

تمددت دائرة الثورة وأخذت تنتقل إلى كل المدن الليبية، حتى انتصرت بعد تضحيات ودماء وعرق ودموع، وأُعلن تحرير العاصمة في الـ20 من أغسطس، لتنتقل المعركة إلى خارج العاصمة في مدينة سرت آخر معاقل القذافي، وقبض عليه لاحقا الثوار وقتلوه بعد قصف الناتو موكبه في يوم 20 أكتوبر، وليعلن يوم 23 أكتوبر يوم تحرير ليبيا من 42 سنة معتمة.

متنفس انتقالي

واصل المجلس الانتقالي إدارته البلاد منذ بدايات الثورة، بقيادة المستشار مصطفى عبد الجليل مع مجلس تنفيذي تولاه الدكتور محمود جبريل، وأخيرا انتقلت ليبيا إلى مرحلة ديمقراطية، ورأى حينها الليبيون لأول مرة صناديق الانتخابات في عام 2012.

ورشحت عن صنايق اقتراع انتخاب أعضاء المؤتمر الوطني الذين قادوا البلاد في تلك الفترة وسط حكومات متعاقبة، ترأسها عبد الرحيم الكيب، ثم علي زيدان وبعده عبد الله الثني، وعمر الحاسي، وخليفة الغويل.

ودخلت ليبيا مراحل الانشقاق بعد مظاهرات لا للتمديد التي طالبت بالضغط على المؤتمر الوطني مبررة حراكها بانتهاء صلاحيته في 7 يوليو 2014، لتنطلق بعدها انتخابات مجلس النواب، ويحدث الانقسام لاحقا بادعاء كل جسم شرعيته.

الانقسام وأحلام متأرجحة

 حكمت المحكمة العليا في نوفمبر2014 بالشرعية للمؤتمر ونزعتها عن البرلمان وانقسمت البلاد منذئذ إلى برلمانين وحكومتين في الشرق والغرب، وأقبلت بعدئذ ليببا على انتخابات الهيئة الدستورية لصياغة الدستور، على أمل إنهاء الانشقاق السياسي، وخروج جسم جديد، غير أن تلك الغاية ظلت إلى الآن عزيزة دون الوصول إليها، أمام مهمة اعتماد الدستور في مجلس النواب وعرضه للتصويت من الشعب.

تبخرت أحلام الليبيين في الحل، خاصة مع تزايد الأزمات وتفاقمها، بعد فشل اتفاق الصخيرات في الوصول إلى بر آمن، وما نتج عن الاتفاق من تداعيات أرهقت كاهل المواطن بعد تضخم أزمة السيولة وارتفاع أسعار العملات الأجنبية مقابل الدينار الليبي، وتمادي أزمات الكهرباء والوقود، ونشوب معركة الكرامة في نوفمبر 2014 وتفجر عملية فجر ليبيا بعدها وحرب البنيان المرصوص لاحقا ضد داعش.

أمل الثورة باقٍ

هذه الأحداث وآثارها دفعت الناس إلى الإحباط والسلبية، حتى رأى البعض أن حلم الثورة قد تبخر وأن الأمر زاد سوءا، ورأى آخرون أن سببه تلك الثورة المضادة التي تحاول القضاء على ثورة فبراير، بقيادة عملية الكرامة في توازٍ مع أنصار النظام السابق. 

في ظل ذلك مازالت ليبيا تعاني وتدفع ثمن عديد من الطعنات التي تسدد لها جراء التدخلات الأجنبية ومحاولات العصابات المتاجرة بالهجرة غير الشرعية والإرهاب، وغيرها من المنغصات التي تجعل من البلاد بؤرة متوترة تعيش أجزاءٌ منها فوضى وانهيارا وسقوطا للدولة. 

مازالت ثورتنا تتنفس وإن كانت تعاني، ومازال الأمل معقودا في أبنائها، ولو ماتت لصلّينا عليها غير نادمين، ولو عشنا فسنظل دائما نفخر بها، وإن لطخها العابثون.. سيحلم المواطن -وحُقّ له- بأن ينعم بعد تضحيات غالية بالحرية تتجسد على الأرض، ثمنا للأوفياء ووفاء للخالدين.

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017