أناشيد
فبراير

فبراير التغيير والجوهر لا فبراير الشكل والمظهر.. بقلم: فيصل الشريف

17 فبراير 2018 - 20:28

المحامي فيصل الشريف

17 فبراير 2018 - 20:28

مشاركة

إليكم يا إخوة الألم والأمل، إنه وَمِمَّا لا شك فيه أننا انطلقنا منذ اللحظات الأولى مع الثورة لأجل التغيير نحو الأفضل، من خلال تتويج الثورة بدولة تليق بحجم التضحيات، وتتويج المِحنة بمنحة، فهي حراكٌ شعبيٌّ لا رأس له، وهي استحقاقٌ شعبويٌّ بامتياز، وبالتالي خاب من ظن أنه يمكن اختزالها في فردٍ أو مجموعةٍ مهما بلغت حجم تضحياتها، وإلا لاختزلناها في الشهداء فلم يتبقّ للأحياء منها شيء.

فعجبًا لنا والله، كيف نطالب قسرًا من أي مجموعةٍ أن يعترفوا بهذا الحراك التاريخي الشعبي بفرض أدبياته فرضًا؟ أوليس في ذلك تسويقٌ سيءٌ للمنجز وروعة ما تمخض عنه من ملحمةٍ تجلى في القلب منها استعادة وطنٍ من التيه ومن استحواذ الفرد إلى حضن الجموع الحالمة، حتى وإن حاول البعض نكران ذلك، إذ أن من لا يعترفون بهذا الاستحقاق المرحلي قد اقتنعوا بأهم أدبياته التي رسخها وهي ثقافة الاحتكام لإرادة الشعب والصندوق من خلال الانتخابات، ولنا في إقبال خصوم هذا الإنجاز المرحلي على التسجيل في المفوضية كناخبين خير دليل، وهو تدرج هام نحو ترسيخ الديمقراطية الحقيقية التي كانت قبل هذا هي والخطيئة صنوان، إضافةً لاستحقاق آخر وهو دستور ينظم الشؤون السياسية لليبيا بعد انقطاعٍ طال أكثر من أربعين عامًا.

وبالتالي فإن نهج البعض سبيل فرض الاعتراف علنا بل وحتى سلوكًا  بهذا المنجز التاريخي مغالطةٌ كبرى لا تخدم هذا المنجز وهو ما نجده حتى في الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والتي جاءت بالهدى حين خاطبه ربه جلّ وعلا فقال في محكم تنزيله:-  أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وبالتالي إن كان الاستنكار في رسالة سماوية فما بالك بعملٍ بشري مهما بلغت قيمتهُ التي دونت أسماء شهدائه في الخالدين، فلا يمكن إلا العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه ونهج الصالحين التقاة وصفوة القول مما رجح عن رواد التجارب المتعلقة بالتحولات الديمقراطية التي مرت بثورات تغييرٍ انتهت بها إلى دولٍ مؤسساتية بنهضةٍ وعمرانٍ وبناءٍ وتقدم في منظومة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وبالتالي لنستفد من الدروس والعبر في اختصار المسافات لنخلص بدولةٍ عصريةٍ ناضجة وواعدة .

وكذلك لنمنع أنفسنا عن الظهور بمظهر المختزلين لهذا الحدث التاريخي الهام في شخوصنا إن أردنا أن يتلقفه الجميع حتى غير المقتنعين به ويتفاعلوا معه على أنه استحقاق شعبي لا يعني فريقًا دون غيره وبأنه جاء بالعمومية والتجرد ويمكن لكل ليبي أن يراه معبرا عنه إن كان فعلًا ما يهمنا هو صالح البلاد والعباد.

فثقافة المهزوم والمنتصر فيما لو استحضرناها على الدوام لن تكون ذات جدوى في سبيل إنارة الدرب نحو وطنٍ يدور في فلكه الجميع، فيتفقون على ثوابته التي ليس أولها الدولة المدنية وقيام المؤسسات بالشكل النموذجي، واختفاء مظاهر الجهوية والقبلية لتكريس مفهوم الدولة الحارسة بمؤسساتها الأمنية التي عمادها شبابٌ مؤسساتيون بامتياز، وليس آخرها تتويج المرحلة بدستورٍ ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وفصل بين السلطات ومحاربة الفساد ودعم أولويات احتياج نهوض الدولة.

لنؤمن أن مشوارنا يقتضي حسم الكثير من القضايا الفكرية التي لم يعد للصراع حولها مبرر بينما كيان الوطن على المحك، وأن فك المصطلحات وتحديد الأولويات قياسًا بالمراحل التي يجب علينا أن نعبر من خلالها نحو بناء الوطن على أساسٍ من النضج والفهم المشترك بات شعيرةً وطنيةً ملحةً.

نعم أقنع خصومك بقضيتك من خلال نشر قيمها وإشهار أدبياتها كي لا يظل الآخر ناظرًا إلى هذا العمل الوطني المجرد على أنه إنجازٌ يعنيك ونصرٌ لك لا إنجازًا يعنيه بل هزيمةً له، وهو ما لا يخدم عدالة القضية في كنهها الوطني المجرد، وأن محاولة احتكارها إنما هو في الحقيقة إساءةٌ لقيمتها التغييرية التي لم تكن حكرًا على أحد، وهو ما رأيناه عيانًا في إفرازات الانتخابات المتوالية حيث نجح كثيرٌ ممن لم يكونوا محسوبين على فريق قائدي التغيير "إن صح هذا الوصف" على اتساع جموع الشعب الذين صنعوا هذا التغيير، مما يؤشر إلى أن المرشحين والناخبين ممن دخلوا هذا الاستحقاق ضمنًا اندمجوا في مفهوم ليبيا الجديدة فلا حاجة بنا لاستخدام وسائل أخرى تنفّر بدل أن تحبذ لكون الغاية أكبر من أن نحبّسها على فريقٍ دون آخر إن كنّا طالبين لوطنٍ بأدبيات تغيير جديدة يمكن أن تكون ملكًا لكل الشعب.

لنعلم أن ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وأن ليبيا تحتاجنا متحدين لا متفرقين، وأن إضاعة الوقت والدماء والطاقات في المناكفات والصراع حول المهاترات لن يمنحنا الوطن الذي نرجو، والذي لن يتسع لطرفٍ وهو ضيقٌ على سواه.

الأبجدية في كل هذا تأمل فينا أن نكون في حجم هذا الاستحقاق وفِي القلب من المسؤولية التي تحتم الأخذ بأسباب النهوض بالوطن دون الإفراط في احتكار المنجز ولا التفريط في استحقاقات المرحلة التي يمكن أن يُؤْمِن بها الجميع شريطة عدم حصرها في منتصر ومهزوم ومع وضد ليُصار قريبًا إلى واقعٍ يرتضيه الغالبية العظمى وهو معطيات دولة مدنية بدستور ومؤسسات وتداول سلمي على السلطة ، لا نركن قبل الوصول إليه إلى اطمئنانٍ لأي فكرٍ متطرف دينيًّا أو عسكريًّا لا يُؤْمِن بهذه الإستحقاقات حتى نضمن تلاشيه لنخلص إلى وطنٍ لنا جميعًا نحمي استحقاقاته ونذود عنها بذات الغيرة والوطنية .

فما تحقق من حرية وانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية يلقي على عاتقنا مسؤولية نشر ثقافة وفلسفة وأدبيات هذا التغيير ليعتنقه المحبون للتغيير بالدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة دون أن ننام عن شر النوايا التي تتطلب الإبقاء على أسباب القوة وسيلةً لحماية نُبل هذه الغاية فيما لو دعا داعٍ إلى ذلك لا قدر الله.

وحين يتساءل أحدنا عن سبب تراجع أسهم هذا التحول التاريخي الهام، فإن الإجابة ستدور حول الإخفاقات المتوالية، والتي كما إنها جاءت على أيدي خصومٍ من الداخل وعلى صعيد المحيط الإقليمي والدولي، فإنها كذلك تعرضت لضرباتٍ على أيدي مناصريها، حين خذلوها في نقل معركة الرصاص إلى البناء، وحين خذل هذه الملحمة من تولوا السلطة دون أن يضعوا لبنة في صرح مؤسسةٍ واحدة لا سيما المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وبدل التفرغ للعمل كان التفرغ على أشده للجدل، وللاقتتال على السلطة حتى انزلق الجميع بالوطن وبالشعب إلى وضعٍ لم يكن بالمتسع قياسًا بحجم الوطنية في قلوب من يديرون دفة السياسة أن يتم انتشال الأرض ولا الإنسان على أرضٍ ارتوت بدماءٍ وتضحياتٍ لم يكن حجم الوفاء في مستواها.

غير إن الأمل الذي لم يغادر قلوب السواد الأعظم من البسطاء المحبين لتراب الوطن أكثر من حبهم لرغيف الخبز لا يزال نابضًا بالتفاؤل نحو وطنٍ سيستعيدهُ أهلهُ بأدبيات التغيير الإيجابي الذي سيكون حزمةً من القيم بها يستعيد الليبيون أصالتهم وحبهم الصادق لوطنهم ليبيا.

يسر الله لنا الحال والأحوال وجعل النوايا خالصةً لوجهه الكريم.

 

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017