أناشيد
فبراير

ليبيا: من الثورة إلى الثورة المضادة.. بقلم: حسين عبدالعزيز

19 فبراير 2018 - 14:11

حسين عبد العزيز - كاتب ومحلل سياسي

19 فبراير 2018 - 14:11

مشاركة

لم تحدثنا كتب التاريخ عن ثورة سريعة نقية متكاملة أنجزت التحول الديمقراطي بقليل من التكاليف وبكثير من التسامح، فمثل هذه الثورة غير موجودة إلا في ميتافيزيق السياسة. 

لم تنشأ ثورة في التاريخ، إلا وأعقبتها ثورة مضادة، إما محاولة لتصحيح مسارها بعد جنوحها الراديكالي الذي أصبح يهدد مسيرتها وأهدافها، أو نفياً كاملاً للثورة الأصلية. 

وعادة ما تكون الثورات المضادة أكثر عنفا، فتعيد في حالة تصحيح المسار إحياء الأفكار البيوريتانية التي انطلقت منها الثورة الأصلية، ولكن، بشكل أكثر حدة، وفي الحالة الثانية، تكون الثورة المضادة أكثر غضبًا، لخوف الأنظمة الحاكمة من خسارة المكاسب الكبيرة التي راكمتها سنوات طويلة.  

شكلت فرنسا أنموذجا للحالة الأولى، حيث شهدت البلاد بين عامي 93 ـ1794 ثورتين مضادتين لتصحيح مسار الثورة الأصلية. 

كانت الأولى في فانديه، وحمل لواءها الفلاحون ضد اليسار الراديكالي والبورجوازية على السواء، في حين جرت الثانية بعد عام مع الانقلاب الذي قاده الجيردونيون واللامتسرولون ضد عهد الرعب الذي أقامه اليعاقبة على مدار ثلاث سنوات، ولم ينته عهد الرعب هذا إلا بالقضاء على اليعاقبة وزعيمهم، روبسبير، في التاسع من ثيرميدور عام 1794، لتبدأ مرحلة الاعتدال مع الجيردونيين. 

عربيًّا، استطاعت قوى تابعة للنظام القديم في تونس ومصر تبني بعض مقولات الثورة، وقدمت نفسها أنموذجا وسطا، كما الحال في تونس مع الباجي قائد السبسي وحزبه، نداء تونس، الذي جمع بين القديم والجديد، وكما الحال في مصر مع عبد الفتاح السيسي، ومع أن الأخير أقدم على انقلاب واضح على الشرعية الثورية ونتاجها الديمقراطي، إلا أن خطوته جاءت ضمن مقولات الثورة، وليس من خارجها، وهذا السبب الذي جعلها تحصل على تأييد مقبول من الشعب المصري. 

وإذا كانت تونس ومصر على المستوى العربي تنتميان إلى الحالة الأولى، فإن سوريا تنتمي إلى الحالة الثانية، النفي الكامل للثورة، وهذا استثناء تاريخي، يضاف إلى حالات الاستثناء التي تميزت بها التجربة السورية. 

أما ليبيا، فقد خطت طريقا مختلفا عن التجارب السابقة، ومع أنه لم يبق شيء من النظام القديم، إلا أن حالة الفوضى التي عمت البلاد مع الثورة نتيجة تصحر الحياة السياسية وانعدام المؤسسات التاريخية، فتح المجال لنشوء أمراء حرب سرعان ما ارتبطوا بأجندات خارجية لتحقيق مكاسبهم الشخصية.

ومن نافلة القول أن تشهد عملية التغيير السياسية في بلد غابت فيه الكينونة السياسية تعثرا كبيرا، ومن نافلة القول أيضا أن تجهد القوى السياسية على جسر الهوة فيما بينها.

لكن الذي جرى أن انقلابا عسكريا حدث في الشرق لا تستقيم أهدافه مع المصحلة الليبية العليا، بقدر ما كانت تعبيرا عن لحظة تاريخية تجمع بين مطامع شخص مغمور يرغب في الاستحواذ على السلطة، ومصالح دول إقليمية أخافها صعود بعض الإسلاميين إلى السلطة.

وعلى الرغم من نجاح حفتر بثورته المضادة وفرض نفسه كرقم صعب، إلا أن تجارب التاريخ علمتنا أن الثورات المضادة لا تستطيع أن تعمر كثيرا، لأن الجديد الذي أنتجته الثورة الأصلية هو اقتحام الجماهير الحيز العام لأول مرة، ولن تعود إلى الحيز الخاص، وهذا أمر في غاية الأهمية على الرغم من أن نتائجه لا تظهر بشكل فوري ومباشر، بل تحتاج لسنوات، وهو ما عبر عنه إريك هوبسبام حين أكد أن الثورات المضادة ستنتهي بالفشل مهما تأخر الوقت، لأن الأنساق السياسية التي تحاول إعادة فرضها تتناقض مع الظروف السياسية القائمة تناقضاً عميقاً في مرحلة التغيير الاجتماعي السريع.

لقد صمد آل "البوربون" عبر ثورتهم المضادة في فرنسا نحو 35 عاماً، لكن احتفاظهم بتقاليدهم الإقطاعية القديمة كما تجسدت في ديكتاتورية شارل العاشر أدت إلى ثورة عام 1830، واستطاع شاه إيران البقاء في الحكم نحو عقدين، لكن احتفاظه بسلوكه السياسي الداخلي والخارجي أدى إلى ثورة 1979، واستطاع بينوشيه حكم التشيلي لسبع وعشرين سنة، لكن الممانعة المدنية السياسية انتصرت في النهاية، واستطاع مجلس قيادة الجيش في بوليفيا القضاء على الحركة الوطنية الثورية بزعامة فيكتور إستنسورو بعد فوزها بالانتخابات عام 1951، لكن لم يمض عام حتى اندلعت الثورة في كل مكان وأطاحت بالمؤسسة العسكرية الحاكمة. 

 

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017