أناشيد
فبراير

لقد سئمنا وسئم الوطن.. بقلم: عبدالرحمن عصفور

26 فبراير 2018 - 15:56

عبدالرحمن عصفور - صحفي

26 فبراير 2018 - 15:56

مشاركة

سُعارٌ محمومٌ يسكن أرباب الثورة المضادة ويجعلهم مندفعين بالمتاح لديهم من المنغصات والممكن عندهم من الأوراق لإفشال فبراير وإخماد بريق ثورته حسدا قُلْ أو طمعا ربما، فليبيا اليوم مكمن دائها ثروتها وثورتها.   

فبعد عدة أشهر من الرخاء الاقتصادي المتمثل في ارتفاع إنتاج النفط مع استقرار قيمة الدينار الليبي والاستقرار الاجتماعي الذي عبر عنه المواطن الليبي من خلال تحسن مستوى الدخل الفردي بعد سقوط رأس النظام في ليبيا معمر القذافي سنة 2011، دخلت الدولة العميقة في حلف مع الثورة المضادة لإسقاط التجربة الوليدة، بعد أن سطرت أول فصل من فصول الانتقال الديمقراطي عبر إجراء أول انتخابات تشريعية في ليبيا.

أولى الصفحات الصريحة للثورة المضادة دشنها خليفة حفتر منتصف فبراير 2014 بإعلانه انقلابا فاشلا لم يتعد آنذاك شاشة تلفاز قناة العربية، عندما أعلن تجميد عمل المؤتمر الوطني العام والإعلان الدستوري الصادر في أغسطس 2011.

انقلاب صوتي

اختفى الرجل بعدئذ كأنه لم يكن، وصارت محاولة الانقلاب تلك مثارا للسخرية على السوشل ميديا، فحفتر بدا وقتئذ كأنه يمزح ويلهو بصوته ويجربه أمام الكاميرا، بل إن رئيس الحكومة آنذاك على زيدان عقد مؤتمرا صحفيا هون فيه من تلك المحاولة، وتهكم على صاحبها، وقال إن من حق حفتر أن يحلم كما يشاء.

بعد ثلاثة أشهر عاد حفتر إلى المشهد من جديد وبانقلاب جديد أيضا اختار له هذه المرة بنغازي مهد الثورة ومكمن التغيير، وأطلق منتصف مايو 2014 عملية سماها الكرامة، لعلها كرامة فراره بعد انقلابه الصوتي على شاشة العربية أو تلك التي تركها في تشاد أو الأخرى التي ينشدها القذافي وأتباعه.

تذرع حفتر في انقلاب فبراير 2014 بانتهاء ولاية المؤتمر وعاد في مايو يبحث عن حجة أخرى يستمد منها مبررا يشهره للإعلام ويسطو به على عقول الناس، وبدا للرجل أن إلقاء كلمة "الإرهاب" في أي سياق كفيلة بمنحه شرعية ومسوغا يوصلانه إلى السلطة، فأعلن وقتئذ عزمه على مكافحة الإرهاب ووقف الاغتيالات.

محاولة حفتر لقيت دعما كبيرا من دولتي مصر والإمارات وصار الرجل ذراعا لهما يتمدد بتمويلهما في شرق البلاد شيئا فشيئا، وأخذ يستولي بالقوة على استقلال كل السلطات هناك، وعزز منطق الفوضى بجدارة، ودشن حملة الانقسام السياسي داخل مؤسسات الدولة وبرع أكثر في تمزيق النسيج الاجتماعي.



وحل من الوقاحة

لم تعد تجتهد مصر أو الإمارات في إخفاء تورطها بدعم حفتر ومعسكر الانقلاب وليس سرا موقفهما وانتهاكاتهما، فلجنة العقوبات الأممية كشفت بجلاء يونيو الماضي في تقريرها السنوي إقدام الدولتين على خرق قرار الحظر الصادر عن الأمم المتحدة بتزويدهما لمليشيات الكرامة بالعتاد العسكري.

وتحدث التقرير عن تزويد الإمارات لحفتر بطائرات عمودية هجومية بيلاروسية الصنع و195 آلية مزدوجة المقصورة قتالية، وأخرى إماراتية نوع إير تراكتور، وجاءت في التقرير صور جوية لمطار الخروبة الذي يعد المقر الرئيس لحفتر شرق البلاد، إذ عملت الإمارات على تطوير المطار وتوسيعه واتخاذه قاعدة جوية لها.

ليس هم الإمارات إنجاح معسكر حفتر أكثر من همها وأد الثورة وإزهاقها وإحلال حكم دكتاتوري محل الديمقراطي بما يتماشى واستبدادها ومصالحها وغرورها، فذهبت تلك الدولة في تدخلها إلى كل ناحية عسكرية أو سياسية مع أي طرف يستجيب لشروطها فاحتضنت حتى قيادات نظام القذافي وداعمي الثورة المضادة.

أخطبوط متخم

الإمارات أخطبوط مختنق من أموال الذهب الأسود ومستعد للعب بأي ورقة وشراء الذمم والاتجار بالضمائر في سوقه التي صارت من محددات سياسته الخارجية الإماراتية.

فضيحة شراء وسيط الأمم المتحدة إلى ليبيا بيرناردينو ليون تفشت ووصلت رائحتها إلى سطح المشهد، وغدا ذلك المجتمع محرجا -ولا أظنه- من الارتشاء المعلن لمبعوثه بعدما عينته الإمارات رئيسا للأكاديمية الإماراتية الدبلوماسية المعنية بتطوير العلاقات مع العالم، والترويج لسياساتها الخارجية، إضافة إلى تدريب الكادر العامل في السلك الدبلوماسي، مقابل 35 ألف جنيه إسترليني شهريا، لتنفيذ أجندتها داخل ليبيا، وهو ما حصل بالفعل.

وقد فضحت تسريبات نشرتها وسائل إعلامية تحالف ليون مع الإمارات وجاء فيها قول المبعوث صراحة "إنني لا أعمل على خطة سياسية من شأنها أن تشمل الجميع وتعامل كل الأطراف بشكل متساو، وأعمل وفق خطة استراتيجية لنزع الشرعية تماما عن المؤتمر الوطني العام".

وقاحة فجة

مصر حليفة الإمارات في تكريس الثورة المضادة تتعامل مع تطورات الأحداث في ليبيا بازدواجية بلهاء، فهي تعلن مرارا اعترافها بما بـ"حكومة الوفاق" ودعمها الخطة الأممية، ومن خلف اعترافها لا تدخر جهدا في تقويض الاستقرار على حساب إزهاق فبراير.

من خلال دعمها لحفتر عبر شن ضربات عسكرية أكثر من مرة على مدينة درنة شرق ليبيا، ناعتة المدينة بأنها حاضنة للإرهابيين والمتشددين، ومتحججة عبر أذرعها الإعلامية بسردية حماية الحدود.

استقواء حفتر بالخارج طبخت أوراقه في آخر فصوله الانقلابية المخابرات المصرية من خلال استعداد القاهرة بتزكية من حفتر لإطلاق عملية عسكرية لاقتحام درنة الزاهرة على ميلشيات الكرامة.

وتطرح الغارات الجوية المصرية في ليبيا مفارقة مثيرة، ففي الوقت الذي تعجز فيه القاهرة عن بسط سيطرتها على سيناء والقضاء على "المتشددين" وتستعين بإسرائيل لتحقيق ذلك، ترسل القاهرة طائراتها لشن ضربات جوية من أجل ضمان تفوق حليفها حفتر بزعم محاربة الإرهاب. 

داء المداخلة

في الوقت الذي تصرح السعودية فيه بعزمها استئصال التطرف، تتورط في صناعته وإشعاله بمناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي وخاصة في ليبيا.

هذا ما كشفت عنه تقارير متواترة، أكدت أن السعودية بدأت في التدريب العسكري لشباب ليبيين من أتباع التيار السلفي المدخلي (لمؤسسه الشيخ ربيع المدخلي) داخل أراضيها.

وأفادت التقارير بأن الشباب يذهبون دفعات تحت غطاء شركات سياحية تمنحهم تأشيرات لأداء العمرة، إلا أن الغرض الأساسي منها هو حضور تلك التدريبات العسكرية التي تشرف عليها السعودية.

وعلى رأس المنتسبين للتيار المدخلي محمود الورفلي الذي يعد من أتباع التيار السلفي في بنغازي، وهو تيار ديني متشدد موال لحفتر، ويوفر له الغطاء الشرعي والديني، وشكل منذ نحو ثلاثة أعوام كتيبة للقتال في صفوف قوات حفتر سماها كتيبة "التوحيد السلفية"، وهذا التيار يرى أن الحرب في بنغازي دينية واجبة ضد من سماهم "خوارج العصر"، ممتطيا هذه المسوغات الواهية لاعتقال المدنيين والتنكيل بهم وتصفيتهم جسديا. 

رغم تيار الثورة المضادة الجارف، فإن ثورة السابع عشر تقاوم التيار وهي عاقدة العزم على تحقيق قيمها المنادية بالتغيير والحرية والكرامة وبناء المؤسسات .

 فالثورة الليبية على نظام الحكم الواحد الذي انتهجه القذافي ثورة متجددة، كلما ألم به ألم أو ضيق عليها الخناق، هب رجالها من كل حدب وصوب للذوذ عنها من أعداء الثورة ومدعي الكرامة المزعومة، الذي يحاولون التحالف مع كل الأعداء للعودة إلى المربع الأول، مربع الإجهاز على مدنية الدولة والانتقال الديمقراطي وتكريس عسكرة الدولة.

 طلت الذكرى السابعة للثورة على الليبيين وكلهم عزم على التشبت بالتجربة المدنية والمضي قدما نحو تأسيس الدولة الحديثة، مصممين على الانطلاق نحو فضاء الحرية السياسية ومواجة كل محاولات الانقلاب الرامية إلى تهيجن الثورة وقولبة الدولة في قالب عسكري بإيعاز من دول عربية أذكت نار الصراع في ليبيا.

 

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2017