أناشيد
فبراير

ليبيا وجدل الاحتفال بالمولد النبوي

22 نوفمبر 2018 - 19:41

ميس الريم القطراني - النبأ

22 نوفمبر 2018 - 19:41

مشاركة



ليبيا وجدل الاحتفال بالمولد النبوي - ميس الريم القطراني

مرتّ ذكرى المولد النبوي بسلام بعد عاصفة شرسة من التبديع والتحريم والاستهزاء والإيجاز بالاحتفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصلت إلى حد التكفير في بعض التغريدات، وهو موضوع محل نقاش متجدد بالأساليب نفسها في كل عام من ذكرى المولد بعد ثورة فبراير.

لم يكن كل ذلك الخلاف موجودا في عهد نظام العقيد القذافي الذي كان يسمح بممارسة طقوس الصوفية دون غيرها من الحركات الفكرية الأخرى عدا الطريقة البرهانية التي سنذكر تفاصيلها في الطرق، و كان يحاول بأكبر قدر ممكن طمس معالم السنوسية ودورها في ليبيا رغم أنها واحدة من أبرز الطرق التي يتبعها مريدو الصوفية في ليبيا.

لكن أغلب الناس قبل الثورة كانوا يمارسون بعض العادات والتقاليد المتوارثة من الأجداد في ليلة المولد وما زالوا؛ كإيقاد الشموع والقناديل، والذهاب لمزارات الأولياء الصالحين، وتزيّن النساء والأطفال بالحناء، وشراء الطبل "الدربوكة" وإعداد الأكلة الليبية الشهيرة بالعصيدة في كل أنحاء ليبيا صباح المولد، ورشدة مسقيّة في الغرب والفتات في الجنوب وطبيخة البطاطا بالحمص في الشرق كوجبة غداء والذهاب لزيارة الأقارب كصلة رحم وكأنه يوم عيد، ولكن عند سؤال أحدهم هل تتبع الصوفية؟

يقول أنا سنّي مالكي ولكن هذه عادات ورثناها عن أجدادنا لا غير، ومن المعروف أن المالكية تحرم زيارة القبور والتبرك بأولياء الله الصالحين.

بعد عام 2000 وتطور التكنولوجيا وازدياد القنوات الفضائية خاصة الدينية، بدأ ينتشر بين الناس تحريم الكثير من العادات وأولها زيارة قبور الأولياء الصالحين، ولكن أتباع السلفية تحديدا توقفوا عن هذا الجدل في الداخل فلم يكن باستطاعتهم التعبير خارج ما ارتضاه الحاكم في ذلك الوقت وسمح به للناس.

حتى جاءت ثورة فبراير التي كان أول أهدافها هي حرية الفكر وعدم التسلط على المخالفين من الإيدولوجيات الأخرى، فأصبحت ذكرى المولد تخوض فيها الناس حروبا كلامية ضد أتباع السلفية في ليبيا، خاصة أنهم بعد الثورة هدموا الكثير من الأضرحة التي كان يذهب إليها بعض الناس وأتباع الصوفية في ليبيا.

لكن المجتمع اتخذ الاحتفال عنادا وليس معرفة واقتناعا كاملا بعاداتهم التي ورثوها عن أجدادهم، فإذا سألتهم مثلا عن أبسط شيء في الطرق الصوفية وأسماء مشايخها وأورادهم لن تجد إجابة إلا من القليل النادر.

الخلاف المذهبي والفكري هو خلاف لأجل الاختلاف.. فطالما أنه لم يخرج عن مضمون العبادة التي اتفق عليها الأئمة الأربعة فالمشكلة إذا في عقولنا وليست في الدين، فكثير منا وأنا واحدة منهم مالكية الوضوء حنبلية الصلاة حنفية المأكل وشافعية الهوى.

وإذا تحدتثنا عن المنهج الصوفي الذي هو حالة سلوكية وطريق يسلكه المريد تحت إشراف شيخ مربٍّ لإصلاح عيوب نفسه والترقي في مدارج السالكين ومقامات العارفين..

تنتشر في ليبيا عدة طرق وزوايا ورباطات صوفية ساهمت في إثراء الجانب الثقافي والسياسي للتاريخ الليبي وشكلت ملامح الهوية الوطنية الليبية التي تمثل المواطن الليبي اليوم.

وإذا بحثنا عن نشأتها في ليبيا نجد قول الإمام سحنون معبرًا عن زهاد ليبيا: "رأيت رجالاً بطرابلس ما الفضيل بن عياض بأفضل منهم"، وسحنون أحد تلاميذ ابن القاسم تلميذ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وهومن ينسب إليه جمع المدونة، ونجد في جذوة المقتبس للحميدي عند ترجمة ابن زكرون الطرابلسي: "وانتفع به أهل طرابلس وتعلموا منه الفقه والحديث والنسك وكان قد صحب جماعة من النسّاك وكان رجلًا صالحًا متعبدًا ناسكًا له في الفقه والفرائض والحديث والرقائق تآليف كثيرة توفى 370هـ".

ودخل التصوف الطرائقي في ليبيا في القرن السابع إذ جاء بالطريقة الشاذلية أبو الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية وتوفى عام 656هـ

و في ليبيا عشرة طرق وهي:

1. الطريقة السلامية العروسية

تنسب هذه الطريقة إلى الشيخ أبو العباس أحمد بن عبدالله بن أبي بكر الهواري الشهير بالشيخ أحمد بن عروس 778هـ - 868هـ دفين تونس العاصمة، ويعدّ الشيخ سيدي عبدالسلام الأسمر الفيتوري الإدريسي الحسني 880هـ -981هـ دفين زليتن بليبيا أشهر مشايخ الطريقة وبه عرفت وانتشرت في العالم الإسلامي.

2. الطريقة العيساوية 

الجزولية تنسب هذه الطريقة إلى الشيخ الكامل سيدي محمد بن عيسى 872هـ - 933هـ دفين مكناس ويعتبر آل السباعي مشايخ الطريقة العيساوية في ليبيا وأشهر مشايخهم الشيخ مختار محمود السباعي رحمه الله دفين مصراتة.

3. الطريقة السنوسية

تنسب الحركة والطريقة السنوسية للإمام المجدد محمد بن علي السنوسي 1787م - 1859م دفين الجغبوب بليبيا، وقد اشتهرت في كافة أقطار العالم الإسلامي خاصة في عهد ابنه الإمام السيد محمد المهدي السنوسي 1844م -1902م، وأشهر مشايخهم وشخصياتهم السيد أحمد الشريف السنوسي والملك إدريس السنوسي ملك ليبيا والمجاهد صفي الدين السنوسي والسيد مالك العربي السنوسي شيخ الزاوية السنوسية بالحجاز، والسيد نافع العربي السنوسي شيخ الطريقة السنوسية في مصر.

4. الطريقة المدنية

تنسب هذه الطريقة إلى الشيخ محمد بن حسن ظافر المدني 1780م-1847م دفين مصراتة بليبيا وتعتبر فرعا عن الشاذلية، ونالت شهرة واسعة على يد ابنه محمد ظافر الذي أخذ عنه السلطان العثماني عبدالحميد عهد الطريقة وأصدر مرسوم بإعفاء الزوايا المدنية من الضرائب والرسوم وعيّنه مستشارا له إلى أن وافته المنية في إسطنبول 1829م - 1903م.

5. الطريقة الخليلية

تُنسب هذه الطريقة للشيخ محمد أبي خليل 1875م-1920م دفين الزقازيق مصر وهي فرع عن الطريقة البيومية وتعتبر حديثة الوجود في ليبيا ومن أهم مشايخها العلامة الأزهري الشيخ عبدالله القراضي رحمه الله تعالى دفين طرابلس.

6. الطريقة السعدية

وتنطق محليا بالساعدية نسبة للشيخ المجاهد سعد بن هدنة بن علي بن المهدي التباني 1785م- 1840م وهي فرع من الطريقة المدنية الشاذلية ومن الطرق التي كانت ملء السمع والبصر في ليبيا، وجُلُّ كبار مفكري ومثقفي وعلماء ليبيا في العصر الحديث هم من أبنائها وكانت لهم طريقة مميزة في الحضور لصلاة الجمعة جماعة رافعين أصواتهم بالذكر يتوجهون إلى بيت الشيخ ويزفون الخطيب للمسجد زف العروس، ومن أهم أسباب انحسارها هجرة الشيخ سعد التباني وجل تلامذته للجهاد في تونس عند وقوعها تحت نير المحتل الفرنسي  فاستشهدوا عن بكرة أبيهم في معركة قرب جبل زغوان وهناك مقبرة تحمل اسمهم ويجب التنبه إلى أن هذه الطريقة هي غير السعدية المنتشرة في بلاد الشام بنفس الاسم كانت للطريقة زاوية الشراكسة الساعدية في مصراتة وزاوية في بنغازي ما يعرف اليوم بجامع المدنية سيدي سعد ترك ولدان هما سيدي محمد الطاهر وسيدي مسعود وبنتا تسمى السيدة شافية وزوجته السيدة ضاوية وقد دفنتا في بنغازي في زاوية سيدي سعد التباني.

7. الطريقة التيجانية 

تنسب هذه الطريقة للشيخ أبي العباس أحمد التيجاني 1735م- 1815م دفين فاس ولها وجود محدود في ليبيا.

8. الطريقة القادرية تنسب هذه الطريقة للشيخ عبدالقادر الجيلاني 470هـ -561هـ دفين بغداد العراق ولها زوايا محدودة في ليبيا بالعاصمة طرابلس وفي بنغازي والجنوب الليبي.

9. الطريقة البرهانية تنسب هذه الطريقة للشيخ فخر الدين محمد عثمان عبده البرهاني 1902م- 1983م دفين الخرطوم السودان وهي فرع عن الدسوقية، ودخلت ليبيا فترة الثمانينات على يد ابنه الشيخ إبراهيم البرهاني ولاقت رواجا كبيرا وتعرضت لهجوم من السلطات الليبية زمن حكم القذافي وهدمت زاويتهم الشهيرة في طرابلس وسجن عدد كبير من أعضاء ومنتسبي الطريقة.

10. الطريقة الرفاعية

تنسب هذه الطريقة للشيخ أحمد بن علي الرفاعي 512هـ – 578هـ دفين واسط بالعراق، ولها زاوية قديمة في مدينة بنغازي  ودرنة وأخرى في العاصمة طرابلس، وعادة ما يُجمع بين الطريقتين العيساوية والرفاعية في ليبيا على يد شيخ واحد.

وبالنظر إلى هذا الموروث الداخلي الذي يجب أن يحترم كأقل تقدير له، ومسيرتِه الحافلة بالجهاد وإصلاح المجتمع في ليبيا ودون النظر إلى الخلاف الذي يصفه البعض بالأعمالا الشركية المحرمة، فإننا طالما لم نبنِ جيلا يقبل الآخر ولا يعتدى على فكره سنظل في هذه الدائرة المغلقة بوصف كل مخالف لفكرنا مجرما كأننا الأوصياء عليه. 

فما يجب علينا هو أن ننهل من كل المعارف المحيطة بنا التي تمثل التاريخ الليبي العريق ونمارس عاداتنا ليس عنادا وإنما اقتناعا كاملا بأفعالنا. 

وأخيرا.. ليبيا لن تُبنَى طالما أننا نحاول أن نبحث عن الخلاف لنصنع منه مادة لمهاجمة الآخرين والانتقاص منهم.

 

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2018
من نحن    اتصل بنا   الخصوصية   الكتاب  
DMCA.com Protection Status