أناشيد
فبراير

الخطاب الإسلامي بين الثوابت الشرعية والمتغيرات السياسية

3 ديسمبر 2018 - 19:53

مصطفى الكبير يناقش ضيفه الدكتور عماد الدين الرشيد بشأن إشكاليات الخطاب الإسلامي

3 ديسمبر 2018 - 19:53

مشاركة

المقدمة

في ظل عالم تتقاذفه أمواج التغيير السياسي وتنصهر من خلال أحداثه كثير من الثوابت وتتبدل فيه كثير من المواقف.

يقف عامة المسلمين أمام تنوع للخطاب الإسلامي يصل أحيانا عند البعض إلى درجة التمييع الذي يهوي بالثوابت الرئيسة للأمة.

وهو عند البعض الآخر يصل إلى درجة من الغلو تردي كل من خالفه وتقصيه، وذلك كله يصدر في المسألة الواحدة من خلال اختلاف المدارس المصدرة للخطاب، حسب الزمان والمكان والحدث السياسي المرافق له. 

"الخطاب الإسلامي بين ثوابت الدين ومتغيرات السياسة"

عنوان حلقة برنامج كلمة سواء ليوم الجمعة 23-11-2018، التي وقف فيها على ثلاث محطات رئيسة تلتزم هذا الخطاب 

المفهوم والثوابت والمتغيرات السياسية. 

وقد استضاف البرنامج في حلقته هذه مديرأكاديمية باشاك شاهير الإسلامية ونائب عميد كلية الشريعة بدمشق سابقا المفكر الإسلامي الدكتور عماد الدين الرشيد.

وجاءت أهم مجريات الحوار على النحو التالي:

قدسية النص لا قدسية الفهم   

يرى الدكتور الرشيد في مستهل الحلقة أن ما يميز الخطاب الديني وجود عامل يوحد موضوعاته المختلفة ألا وهو إلهية المصدر من خلال الوحي الذي يفصل بينه وبين جملة الخطابات المتنوعة في الساحة، والذي بلا شك يتميز بالقدسية التامة، غير أن هذه القدسية لا تنتقل معه إلى الخطاب الذي يتناوله، فالخطاب الذي يتناول الوحي ليس إلا مجرد فهم له، ولا شك بوجود فرق بين النص وفهمه، وهنا يستشهد الضيف بنهي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله وقال: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك"، ولذا حكم الله وهو مراده من النص قد غب عنا على وجه التحديد 

ولذا كان التعبد بالاجتهاد ذا قيمة في الشريعة إذا ما التزمت شروطه.

الخطاب الإسلامي هو التعبير عن الإسلام  

وبشأن ماهية الخطاب الإسلامي يبين الدكتور أن هذه اللفظة تنصرف إلى معنيين أساسيين، أولهما آلية الخطاب وثانيهما محتوى هذا الخطاب، والأخيرة تقابل ما يعرف بالمقولة الفلسفية، وبالتالي فإن الخطاب الإسلامي هو طريقة عرض الإسلاميين للإسلام وكذلك هو محتوى هذا العرض.

وعن تنوع واختلاف الخطاب الإسلامي، يرى الضيف أننا أمام حقلين من الخطاب يظهر الأول من خلال تنوع فهم الإسلاميين للخطاب الواحد الذي تتنازعه مجموعة من الأفهام مما يسبب نتيجة مختلفة متباينة عن الرأي الواحد، ثانيهما يرجع إلى موضوع الخطاب، فقد يكون في السياسة أو الاقتصاد أو الفقه ولا ضير بهذه الشمولية عند الدكتور حصر الخطاب الإسلامي بالمقولة السياسية عند البعض، فالخطاب الإسلامي شامل، لأنه عبارة عن حكاية الإسلام لمناحي الحياة المتعددة.

ومن جهة أخرى يرى الضيف أن سعة الاختلاف من الواجب أن تظهر وبجلاء في المسائل غير الثابتة في الشريعة، خلافا لتلك المسائل الثابتة التي لا يلحقها التغير وفق الظروف المحيطة بها. 

ويعتقد الضيف أن خصوبة الشريعة وفرت مناخا للخلاف الذي أثرى الساحة الإسلامية، وأن هذا الخلاف مطلوب حتما كونه لا يقيد الناس بمذهب واحد كما قال الزركشي في البحر المحيط وكما نقل عن الخليفة عمر بن عبد العزيز "أنه ما سره أنه قد اتفق أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم على مذهب واحد لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة".

السياسة مجال لقبول الخلاف 

ويبين الدكتور عماد الدين الرشيد أنه لا غرابة أن مجال السياسة هو أكثر المجالات اختلافا وتنوعا في الآراء، كونه المجال الواسع المتعلق بأمور الدنيا المضبوطة بضوابط الشرع، خلاف الحالة في المجال الفقهي مثلا المتعلق  بقدسية النص وفهمه من قبل الفقهاء، فالحيز هنا ضيق والخلاف سيكون ضيقا مقابل حيز المباح في السياسية الذي يسمح باختلاف أوسع وأكبر.

ملكية الخطاب الإسلامي تمنع من الاستنباط وتسمح بالتدبر، وهنا يحررالضيف مسألة من له حق الخطاب الإسلامي، جاعلا من أهل الاختصاص ممن تعلق باختصاصهم فرع شرعي هم أهل هذا الخطاب، على ألا تكون مقولاتهم هذه محصنة من النقد من أهل الاختصاص ذاتهم.

ولا ينكر المفكر الإسلامي أن يكون الدين حديث العامة ما داموا لم يتجاوزا حد التدبر الذي أمروا به في قوله تعالى "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"

ويقف ذاك الحد عند دخولهم جانب الاستنباط الذي هو جانب التخصص المناط بالعلماء والمتخصصين، وفق قوله تعالى "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"، وهنا يشير الضيف إلى أنه لا يصح نسبة المنع من الحديث في الشريعة مطلقا للعلماء، وإنما هم يمنعون خوض غير المتخصصين في جانب الاستنباط الذي وضعت له شروط لا يجيدها العامة من الناس أو من غيرهم من غير أهل الاختصاص.

الشريعة بين الثابت والمتغير 

وفي الجزء الثاني من الحلقة عرض البرنامج تسجيلا مصورا للعلامة وهبي الزحيلي عبر قناة الجزيرة الفضائية يشرح فيه مفهوم الثبات في الشريعة.  

ويرى ضيف برنامجنا أن كلام العلامة الزحيلي يتناسب تماما مع وضع الاستقرار الذي تعايشه الأمة، ففي مثل هذه الظروف نجد أن هناك ثوابت محددة ليس من الواجب المساس بها، غير أن حالة الضرورة التي قد تعصف بالأمة تجعل من هذه الثوابت متغيرات دون أن تمس بالكليات العامة للدين التي حددت بالاستقراء والمتابعة كالعدل والحرية. 

ويرى الضيف أن هذه الكليات لا تعني القطعيات النصية التي جاءت في الوحيين لأن الأخيرة وإن كانت ثابتة نصا فإنها قابلة للتغيير تأويلا خلاف الكليات آنفة الذكر. 

أزمة التعاطي مع النص 

ويبين الضيف أننا وداخل الطيف الفكري نعايش أزمة في التعامل مع النص الشرعي ممن يعتقدون أنه مقصودا لذاته، خاصة في جانب الفتوى الذي يعتمد مع النص حال المكلفين وحال الواقع، غير أنهم قصروا الفتوى على الجنب النصي فقط فوقعوا في الخطأ.

تجربة الخطاب الإسلامي بين أفغانستان والعراق 

ونزولا إلى الواقع يرى الدكتور الرشيد أن تجربة الخطاب الإسلامي مع حربي الاتحاد السوفيتي على أفغانستان والولايات المتحدة على العراق واختلاف الفتوى فيهما دليل واضح على تسييس هذا الخطاب وسذاجة الإسلاميين، حسب رأيه.

 فقد استغل الخطاب الإسلامي في التجربتين مع اختلاف المضمون وكل ذلك لخدمة الأجندة الغربية، فالجهاد وإن كان ثابتا من ثوابت الدين، غير أن طريقة عرضه للناس في التجربتين كان خاطئا ولمصلحة الغير لا مصلحة الأمة، وقد وعى هذا الأمر نخبة من العلماء والمفكرين مبكرا لكن لم يسمع لهم وسط ذلك الضجيج.

الخطاب السياسي الحالة الاستثنائية

وفي الجزء الثالث من البرنامج يظهر الضيف أن الخطاب السياسي الإسلامي هو حالة استثنائية كونه محكوما بحالة عدم الاستقرار التي تجعله يحاكي الثوابت. 

 فنظام الحكم الإسلامي مثلا كما جاء في النص غائب عن الأمة اليوم، ويصعب على الأمة تحقيقه للظروف التي تواكبها، فأرجأت حالة الضرورة هذا التطبيق، وجعلته يتراجع إلى أنماط شبيهة به لكنها ليست هي، وهكذا يكون الخطاب المعبر عن هذا النظام ، ولعل عدم الفقه بهذه المسألة جعلنا أمام خطابين مختلفين تماما أحدهما مغال يرى الثبات وعدم التدرج والتعامل مع الظروف كما هو الحال مع الجماعات الجهادية والآخر مميع لا يستطيع الحفاظ على شيء من الثوابت التي تتماشى وهذه الظروف الاستثنائية، ولعل بعض الأحزاب الإسلامية التي تتخذ من الديمقراطية مطية لها لأجل الوصول لغايتها هي من يمثل هذا التيار فتنازلت عن كثير من الثوابت لأجل غاية لم تحققها، والواجب عند الضيف في حالتنا هذه قراءة النص ومحاولة مقاربة أحكامه للواقع وتطبيقها قدر الممكن.

الحرج الحضاري آفة من آفات الخطاب الإسلامي

وفي ختام اللقاء، يتحدث الدكتور الرشيد عن ظاهرة الحرج الحضاري التي أصابت جزءا من الخطاب الإسلامي، فبات الحديث عن مظاهر الشريعة بعيدا عنها بغية استرضاء الغير وكأنه واجب علينا أن يرضى الغير عما في ديننا وثقافتنا بالرغم من عدم رضانا نحن عما لديهم من قيم وثقافات لا يتسترون عنها أمامنا. 

وبالتالي، انعكس هذا الحرج على أداء بعض الأحزاب الإسلامية التي ليست هي الإسلام كما تصدر أحيانا وإنما هي ثقافة واجتهاد وفهم مطبق للنص يختلف عن غيره من الأفهام. 

وكان البرنامج في جزئه الثالث قد عرض آراء نخبة من المفكرين والعلماء حول مدى ارتباط المتغيرات السياسية بثبات الدين وقد جاءت على النحو التالي: 

 د. محمود سلامة الغرياني

أصبح الخطاب الشرعي حاضرا بقوة في الساحتين السياسية والإعلامية، إلا أن أهم أنواع التأثير عندي هو أنها كشفت له عن عجزه وقصوره ونواقصه العلمية والفكرية.

لقد برز الخطاب الإسلامي بوجوه كثيرة متناقضة، ولا بد من حراك فكري يستوعب التناقض، ويرده إلى عوامله الأساسية ويضبطه في بوتقة فكرية واحدة.

د. نزار كريكش

الخطاب الإسلامي لصيق بالمتغيرات السياسية التي يشهدها العالم منذ نشأته ولعل دراسة شادي حميد تتبعت هذه المتغيرات، مشيرة إلى أن المتغيرات السياسية أثرت على النظرة الكلية والتفسير العام للتراث الإسلامي. 

أ.  أبوبكر العيش

متأثرا بالمتغيرات السياسية في المنطقة انشطر الخطاب الإسلامي إلى أربعة اتجاهات متباينة خطاب رافض للتغيير الثوري مساند للاستبداد، وخطاب آثر الحياد واقفا في صومعة الوعظ، وخطاب اندفع نحو التكفير، وخطاب - وهو الأقل - منحاز لإرادة الشعوب في التغيير السلمي.

جميع الحقوق محفوظة - قناة النبأ الفضائية 2018
من نحن    اتصل بنا   الخصوصية   الكتاب  
DMCA.com Protection Status